يواجه قطاع الشحن البحري ونقل الطاقة العالمي ما وصفه خبراء ومحللون بـ "السيناريو الأسوأ" في مضيق هرمز، جراء تصاعد الهجمات الإيرانية الأخيرة على السفن التجارية، وتزامنها مع إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

شلل ملاحي

​وأظهرت أحدث بيانات تتبع الشحن البحري "كبلر" تراجعاً حاداً في حركة العبور بالمضيق، إذ كشفت الأرقام أن ثلاث سفن فقط عبرت مضيق هرمز أول أمس الخميس، مسجلة بذلك أدنى معدل يومي منذ شهر مايو (أيار) الماضي. وجاء هذا الانخفاض الحاد بعد أن فضلت معظم السفن والناقلات التوقف أو التراجع أعقاب الاستهدافات الأخيرة التي شنتها طهران.

​ووفق بيانات شركة "كبلر" المتخصصة، فإن ناقلة النفط الخاضعة للعقوبات "ميران" المحملة بزيت الوقود، وناقلة الغاز المسال الصغيرة "نوريتا"، قد غادرتا المضيق يوم الخميس عبر مسار إيراني، إلا أنهما اضطرتا للتوقف في خليج عُمان نتيجة لقيود الحصار الأمريكي.

​وفي السياق ذاته، أشارت بيانات "مجموعة بورصة لندن" إلى أن ناقلة تحمل زيت وقود وتُستخدم لتزويد السفن بالوقود في عرض البحر، عادت أدراجها مجدداً، بعد ساعات قليلة من خروجها منه في وقت مبكر من صباح الجمعة.

​وتعكس المقارنات حجم الأزمة الراهنة؛ فبينما عبرت 11 سفينة فقط المضيق يوم الأربعاء، يمثل هذا الرقم جزءاً ضئيلًا جداً من المعدل اليومي المعتاد قبل الحرب، والذي كان 125 سفينة تمر عبر الممر المائي. كما لم تسجل حركة الملاحة عبور أي من ناقلات النفط العملاقة أو ناقلات الغاز الطبيعي المسال لليوم الثاني على التوالي منذ يوم الخميس الماضي.

مخاوف الطواقم البحرية

​وفي ظل هذه التوترات المعقدة، أفاد الرئيس التنفيذي لشركة خدمات المخاطر البحرية أن الوضع الأمني في مضيق هرمز عاد ليمثل "السيناريو الأسوأ" لناقلات النفط، إثر الهجمات المتكررة التي شنتها إيران على السفن خلال الأسبوع الماضي.

​وقال ديميتريس مانياتيس، الرئيس التنفيذي لشركة "ماريسكس" (Marisks) ومقرها أثينا، في إيجاز قدمه لمنصة "لويدز ليست إنتليغنس":​"نشهد تراجعاً في حجم حركة العبور عبر مضيق هرمز، والآن أصبحت طواقم السفن أكثر قلقاً ومخاوف ما كانت عليه من قبل.. لا أحد يملك الرغبة في التحرك".

​وبحسب البيانات الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، تعرضت 9 سفن على الأقل للهجوم منذ 6 يوليو (تموز) الحالي. وتأتي هذه العمليات في وقت تحاول فيه إيران إجبار السفن على عبور هرمز عبر مياهها الإقليمية، بدلاً من الممر التقليدي المحاذي لساحل سلطنة عُمان والذي يحظى بحماية الجيش الأمريكي.

​ومن جانبه، أوضح جاكوب لارسن، رئيس الأمن البحري في "بيمكو" (BIMCO) وهي واحدة من أكبر جمعيات الشحن في العالم أن الهجمات الإيرانية الأخيرة استخدمت فيها صواريخ مضادة للسفن.

​وعلق مانياتيس على هذا الوضع النفسي الصعب للبحارة في تصريحات لشبكة "سي إن بي سي" قائلاً:"كل هذا يلقي بظلاله على الطواقم، وفي الوقت الحالي ليسوا سعداء على الإطلاق بالعبور بغض النظر عما يُوعدون به. لم يعد الأمر يتعلق بالمال أو بأي نداء مهني أسمى؛ إن الخوف الخالص هو ما يوجه عملية اتخاذ القرار حالياً".

​مواجهات عسكرية مباشرة 

​على الجانب الآخر من المشهد، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن الجيش الأمريكي عطل حركة ناقلة نفط فارغة يوم الأربعاء، عقب إعادة فرض حصاره البحري ضد إيران هذا الأسبوع. وأضافت "سنتكوم" أن الناقلة "إم تي بيلما" التي ترفع علم كوراساو تجاهلت تحذيرات متعددة أثناء عبورها المياه الدولية متجهة نحو جزيرة خارج الإيرانية.

​وفي غضون ذلك، حذر لارسن (رئيس الأمن البحري في بيمكو) من أن المسار التقليدي عبر وسط هرمز، والمعروف بـ "مخطط فصل حركة المرور"، لا يزال خطيراً للغاية بالنسبة للسفن بسبب تهديد الألغام البحرية، واصفاً طبيعة هذا الخطر بقوله:​"عندما ينفجر لغم، فإن ذلك يحدث عادة أسفل السفينة. اللغم سلاح قوي جداً، لذا فإن دخول السفن في حقل ألغام يعد أمراً شديد الخطورة".

​واقع الملاحة الفعلي

​وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء الماضي، أكد فيها أن مضيق هرمز مفتوح أمام جميع السفن باستثناء السفن الإيرانية، وذلك في أعقاب إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي. وقال ترامب في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز:​"المضيق مفتوح إذا أراد الناس العبور منه. نحن لا نقتحه لإيران، إنها الطرف الوحيد المغلق بوجهه دخولاً وخروجاً، لكنه مفتوح الآن".

​ورغم هذه التطمينات السياسية، رصدت شركات تتبع السفن انخفاضاً حاداً يصل إلى حد التدفق الضئيل؛ إذ أفاد فريق المحللين في "لويدز" الذين يراقبون المضيق بأن هرمز قد أُغلق مجدداً بشكل شبه كامل، مع عبور تدفق ضئيل للغاية من السفن التي تعمد إلى إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها لتفادي الرصد.

​وتزامن هذا الإغلاق الفعلي مع شن الولايات المتحدة 7 جولات من الضربات الجوية ضد إيران رداً على الهجمات التي استهدفت الناقلات، في حين يهدد الجانب الإيراني وحلفاؤهم الحوثيون في اليمن الآن بإغلاق حركة السفن في البحر الأحمر أيضاً. وبناءً على ذلك، علق لارسن بالقول: "لسوء الحظ، يبدو أننا نسير في مسار التصعيد، وقد يزداد الوضع سوءاً مع مرور الوقت".