قرار محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أمس السبت 18 يوليو (تموز) 2026، بعدم قبول الدعوى المقامة للطعن على قرارات مشروع تطوير ترام الرمل، يعيد الجدال حول مستقبل أقدم ترام في أفريقيا وضمن الأعرق عالمياً، في وقت تتواصل فيه أعمال تحديث الخط الذي علق تشغيله منذ أبريل (نيسان) الماضي ضمن مشروع تطوير بكلفة 592 مليون يورو.

وبينما أعلن مقيم الدعوى عزمه الطعن في الحكم مجدداً، تواصل الجهات المنفذة أعمال التطوير تمهيداً لإعادة تشغيل الترام بمنظومة جديدة، في مشروع يرى فيه مسؤولون نقلة لمنظومة النقل، مقابل خشية معارضين من أن تؤثر على الطابع التاريخي للمدينة التراثية والأثرية.

تاريخ ترام الإسكندرية العريق

بدأ تشغيل ترام الإسكندرية عام 1863 خلال عهد الخديو إسماعيل، ليصبح أول نظام ترام في أفريقيا ومن أقدم شبكات الترام المستمرة في العالم.

وانطلقت أولى الرحلات بعربات تجرها الخيول، قبل أن تتحول في أغسطس (آب) من العام ذاته إلى قاطرات بخارية لتقليص زمن الرحلة وزيادة كفاءة التشغيل. ثم دخل عصر الكهرباء مع كهربة الخط بالكامل في يناير (كانون الثاني) 1904.

وعلى مدى أكثر من 160 عاماً، لم يكن ترام الرمل مجرد وسيلة مواصلات، بل تحول إلى أحد المعالم التاريخية والسياحية للمدينة، إذ يرتبط بصور الشوارع والأحياء القديمة والعمارة الكلاسيكية التي تميز الإسكندرية.

ومع توسع المدينة، بات الترام شرياناً رئيساً للتنقل بين أحيائها، قبل أن يتجاوز دوره كوسيلة للمواصلات ليتحول إلى أحد أبرز رموز عروس البحر المتوسط، بعدما ارتبط في أذهان أجيال متعاقبة بمشهد العربات الصفراء والزرقاء التي تجوب شوارعها.

لماذا توقف الترام؟

ومع اعتماد المواطنين عليه بشكل أساسي، واجهت شبكة الترام تحديات متزايدة على مدار السنوات الأخيرة، نتيجة تقادم البنية التحتية وارتفاع أعداد الركاب، ما جعل الشبكة تعاني بطء الرحلات وتتأثر بالازدحام المروري. هذا الوضع دفع الحكومة المصرية إلى إطلاق أكبر مشروع تطوير يشهده الخط منذ إنشائه.

ففي تحرك رسمي، أعلنت وزارة النقل في نهاية 2025 عزمها وقف تشغيل الخط، قبل أن تؤجل القرار الذي نُفذ جزئياً في فبراير (شباط) الماضي، ثم طال جميع الخطوط في أبريل (نيسان). وبررت الوقف الكامل حينها بـأنه يسمح بتنفيذ المشروع بوتيرة أسرع، بدلاً من تنفيذ الأعمال على مراحل قد تؤدي إلى تعطيلات متكررة في حركة النقل داخل المدينة.

ماذا يشمل مشروع التطوير؟

وتتولى تنفيذ أعمال تطوير ترام الرمل مجموعة من الشركات المتخصصة في مجالات البنية التحتية والنقل، إذ أسندت الأعمال المدنية والسكة والأنظمة إلى تحالف شركتي "المقاولون العرب" و"حسن علام"، فيما تعاقدت الهيئة القومية للأنفاق مع شركة "هيونداي روتيم" الكورية لتوريد وتصنيع 30 وحدة ترام حديثة ومكيفة، إلى جانب توفير قطع الغيار وأعمال الصيانة لمدة 8 سنوات وضمان لمدة عامين.

ويمتد مشروع تطوير الخط الرئيسي لترام الرمل بطول 13.8 كيلومتر بين محطة فيكتوريا شرق الإسكندرية ومحطة الرمل في قلب المدينة الساحلية، ويشمل إعادة تأهيل 24 محطة، ضمن خطة لتطوير منظومة النقل في مصر.

ويحظى المشروع بتمويل دولي يبلغ 238 مليون يورو، موزعاً بين 138 مليون يورو من البنك الأوروبي للاستثمار و100 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، فيما تقدر وثائق البنك الأوروبي للاستثمار التكلفة الاستثمارية الإجمالية للمشروع بنحو 592 مليون يورو.

ويتضمن المشروع تحديث القضبان والبنية التحتية بالكامل، وأنظمة الإشارات والتحكم، إلى جانب إنشاء جسور وأنفاق في عدد من التقاطعات، وفصل مسار الترام عن حركة السيارات في أجزاء كبيرة من الخط، وفق "رويترز".

كما تستهدف أعمال التطوير رفع القدرة الاستيعابية التشغيلية للخط من 4700 راكب في الساعة لكل اتجاه إلى 13,800 راكب، مع إعادة تأهيل المسار بطول 13.2 كيلومتر، وزيادة متوسط السرعة التشغيلية من 11 إلى 21 كيلومتراً في الساعة، وخفض زمن الرحلة بين فيكتوريا ومحطة الرمل من أكثر من ساعة إلى نحو 33 دقيقة، وتقليل زمن التقاطر  إلى 3 دقائق.

وبحسب الهيئة القومية للأنفاق في مصر، يبدأ التشغيل التجريبي للمرحلة الأولى من مترو أبوقير في مارس (آذار) 2027، فيما يُعاد تشغيل ترام الرمل المطور وافتتاحه رسمياً في يوليو (تموز) 2028 بعد انتهاء أعمال التطوير.

رد فعل الشارع السكندري

ورغم أهمية مشروع تطوير ترام الرمل، فإن غيابه يترك فراغاً في مدينة ارتبطت به لأكثر من قرن ونصف، وينعكس ذلك على الشارع السكندري الذي انقسمت آراؤه بين من رأى وقف التشغيل خطوة ضرورية لتحديث الخدمة وتحسين كفاءتها، ومن تخوف من تأثيره على التحركات اليومية وارتفاع تكاليف النقل.

بدوره، يرصد "24" هذا التباين في مواقف السكان، إذ تقول إنجي جورج "صيدلانية"، إن الترام كان وسيلة مواصلاتها الأساسية لسنوات، وإن أكثر ما يقلقها خلال فترة التوقف هو ارتفاع كلفة البدائل، بخاصة مع اعتماد العديد من الطلاب والموظفين عليه بسبب انخفاض سعر تذكرته مقارنة بوسائل النقل الأخرى، وتعرب إنجي جورج عن أملها في أن ينعكس مشروع التطوير على جودة الخدمة عند عودته للعمل. 

أما مصطفى، الذي يعمل موظفاً، فيوضح أن قرار الإيقاف تسبب في تغيير خط سيره اليومي إلى محل عمله، لكنه يرى أن تحديث الخط أصبح ضرورياً بعد عقود من التشغيل، مضيفاً أن تحمل فترة التوقف سيكون مقبولاً إذا أسهم المشروع في تقليل زمن الرحلات وتحسين مستوى الخدمة مستقبلاً. كما يتمنى ألا يُفقد مشروع التطوير الهوية البصرية المميزة للترام بلونه الأزرق. 

ويستعيد سعيد، وهو سبعيني متقاعد، ذكرياته مع ترام الرمل التي تعود إلى منتصف القرن الماضي، قائلاً إنه اعتاد استخدامه منذ سنوات الدراسة الأولى مروراً بالمرحلة الجامعية، قبل أن يظل رفيقاً له في تنقلاته اليومية إلى العمل لعقود. 

ويضيف في حديثه لـ"24"، أن الترام بالنسبة له ليس مجرد وسيلة مواصلات، بل جزء من ذاكرة المدينة، وأن صوت عرباته كان دائماً حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للسكندريين، معرباً عن أمله في أن يحافظ التطوير على الطابع التاريخي الذي يميز هذا المرفق العريق.