تنساب مئات الآلاف من الأغاني يومياً عبر منصات البث الرقمي بكلفة تكاد تكون صفرية، بعد أن دخلت أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة النغَم واجتراح أصوات فنية شبه مثالية من خلال تحويل مجرد نص قصير إلى مقطع أوبرالي أو موسيقي بأصوات شجية مكتمل في ثوانٍ معدودة.
سوق الموسيقى العالمية تشهد إعادة رسم شاملة لمستقبلها المالي، إذ فتحت أدوات الذكاء الاصطناعي الباب لإنتاج مكثف وغير مسبوق للمحتوى الصوتي دون عناء أو تكاليف تُذكر.
مع تزاحم الخوارزميات على حصص البث العادي، وجدت شركات الإنتاج الكبرى والمنصات الرقمية نفسها تخوض معركة تنظيمية واقتصادية لحماية أرباحها وضمان ألا يلتهم التدفق الآلي حقوق الفنانين ورأس المال الإبداعي.
وبينما يرحب المستمعون بتدفق محتوى لا ينتهي، تنظر شركات الإنتاج إلى المشهد من زاوية مختلفة، إذ ترى أن هذا الضخ الغزير يضغط على إيرادات الفنانين، ويعيد توزيع عوائد البث، ويهدد القيمة الاقتصادية لحقوق الملكية الفكرية التي تقوم عليها الصناعة لعقود.
لذلك طالبت بالأمس كبرى شركات الإنتاج العالمي، بقيادة "سوني" و"يونيفرسال" و"وارنر"، بوضع ضوابط تنظم مشاركة هذا النوع من المحتوى في منصات الاستماع والتصنيفات الموسيقية، مؤكدة أن الأمر لا يتصل بالدفاع عن الأغنية التقليدية بقدر ما يرتبط بحماية اقتصاد صناعة تقوم في الأساس على حقوق الملكية وعوائد الاستماع.
وفي صميم هذه المطالب، تبرز 3 شروط رئيسة من الشركات للمنافسة داخل السوق، وهي أن يكون الإبداع البشري هو العنصر الأساسي في العمل، أن تستخدم أدوات تعتمد على مواد مرخصة قانونياً مع استبعاد أي أعمال يثبت تورطها في التلاعب بأرقام الاستماع أو انتهاك حقوق الملكية الفكرية.
كما ترى شركات الإنتاج أن استمرار غياب هذه الضوابط سيضعف الحافز على الاستثمار في الفنانين والمواهب الجديدة، إذا أصبحت الأعمال الرقمية من "حنجرة" الذكاء الاصطناعي منخفضة الكلفة قادرة على منافسة الإنتاج البشري في الإيرادات والانتشار.

لماذا التحرك الآن؟
تكشف الأرقام حجم التغيرات التي يشهدها السوق، إذ تستقبل منصة سبوتيفاي وحدها نحو 100 ألف أغنية جديدة يومياً، فيما تؤكد الشركة أن نسبة متزايدة منها مولدة بالذكاء الاصطناعي.
كما أعلنت منصة Deezer أن الأغاني المولدة بالذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل 50% من إجمالي المقاطع التي تُرفع إليها يومياً، بعدما ارتفع عددها من 10 آلاف مقطع يومياً في مطلع عام 2025 إلى 90 ألفاً في منتصف 2026.
ولا تعني هذه الطفرة مجرد وفرة في المحتوى، بل تعني أيضاً اشتداد المنافسة على عوائد البث، فكل أغنية جديدة تدخل المنصات تنافس على الحصة نفسها من الاشتراكات، وهو ما يقلص نصيب الفنانين وأصحاب الحقوق من الإيرادات.
أين تتسرب مليارات الصناعة؟
ومع اتساع حضور الأغاني المولدة آلياً، بدأت تظهر عمليات احتيال عبر استغلال الذكاء الاصطناعي لنشر أعمال مزيفة، واستكمال مقاطع مسربة، وتشغيل ملايين الأغاني عبر حسابات آلية لزيادة مرات الاستماع والاستحواذ على عوائد البث.
وتشير دراسة اقتصادية أعدتها PMP Strategy للاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين، إلى أن مبدعي الموسيقى قد يتعرضون لفقدان نحو ربع إيراداتهم بحلول عام 2028، مع خسائر سنوية تُقدَّر بنحو 4 مليارات يورو إذا استمر انتشار الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي بالمعدلات الحالية.
لذلك في واحدة من أبرز القضايا، أدانت محكمة في ولاية نورث كارولاينا الأمريكية رجلاً استخدم ملايين المقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي لتوليد مليارات مرات الاستماع، والاستيلاء على 8 ملايين دولار من عوائد المنصات.

محاولات استعادة التوازن
بدورها، بدأت منصات البث اتخاذ إجراءات حاسمة، إذ حذفت "سبوتيفاي" 75 مليون مقطع صنفتها ضمن المحتوى الوهمي أو الاحتيالي، وأتاحت للفنانين مراجعة الأعمال التي تُرفع بأسمائهم قبل نشرها، في محاولة للحد من استغلال هوياتهم والاستيلاء على عوائد البث.
أما Deezer فطوّرت أدوات لرصد المحتوى المنتج عبر تطبيقات مثل Suno وUdio، مع حذف المقاطع التي لا تحقق أي استماع لفترات طويلة أو يثبت ارتباطها بعمليات احتيال.
كما فرضت بعض المنصات الأخرى حداً أدنى من مرات الاستماع قبل توزيع الإيرادات، للحد من استفادة الحسابات الوهمية من نظام العوائد.
رهان "اللمسة البشرية"
وفي حديثه لـ"24"، يرى الناقد الموسيقي محمد عاشور أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تتيح لأي شخص هندسة أغنية مكتملة من كلمات وألحان وأصوات بنقرة زر، مشيراً إلى أن المنتج الاصطناعي الخالص يرتطم بحاجز الملكية الفكرية التي تمنع استغلاله تجارياً، ما يدفع الكثيرين لإضافة "لمسة إنسانية" وتعديلات طفيفة للخروج من هذا المأزق القانوني.
ورغم اعترافه بالزحف السريع لهذه التقنيات وقدرتها على إعادة تشكيل اقتصاد الصناعة، حذر عاشور من تجريد الفن من روحه وتحويله إلى مجرد أداء تكنولوجي بارد يفتقر للإحساس الصادق، مؤكداً أن العنصر البشري سيظل الرهان الحقيقي الذي لا يمكن الاستغناء عنه.