لا تحتاج التجارة العالمية دائماً إلى سفن أكبر أو موانئ أكثر اتساعاً لخفض تكاليفها، فبعض الخسائر تبدأ من طبقة رقيقة من الطحالب والمحار تلتصق بهيكل السفينة في عرض البحر.
ظاهرة "التراكم الحيوي البحري" هي التصاق الطحالب والمحار والكائنات الدقيقة بهياكل السفن والمراوح وغيرها من المنشآت المغمورة بالمياه، بما يزيد مقاومة السفينة للمياه ويرفع استهلاك الوقود.
نجح فريق بحثي بجامعة جنوب الصين للتكنولوجيا في تطوير طلاء بحري يعتمد على سطح يتجدد ذاتياً بفضل بوليمرات قابلة للتحلل بصورة تدريجية في مياه البحر.
ومع مرور الوقت، تتحول تلك الطبقة إلى عبء اقتصادي يبطئ حركة السفن، ويرفع استهلاك الوقود، ويزيد تكاليف الصيانة، حتى أصبحت واحدة من أكثر المشكلات إزعاجاً لقطاع النقل البحري.
ومن هنا، خرجت الصين بابتكار بيئي سيغير قواعد المنافسة في سوق الطلاء البحري، ويمنحها موطئ قدم في صناعة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.
عدو اقتصادي "غير مرئي"
في البداية يطلق المتخصصون على هذه الظاهرة اسم "التراكم الحيوي البحري"، وهي التصاق الطحالب والمحار والكائنات الدقيقة بهياكل السفن والمراوح والمنشآت المغمورة بالمياه.
ورغم أنها تبدو مشكلة فنية بسيطة، لكنها تترك أثراً في قلب الاقتصاد العالمي، فكلما ازدادت هذه الترسبات، ارتفعت مقاومة السفينة للمياه، واضطرت المحركات إلى استهلاك كميات أكبر من الوقود للحفاظ على السرعة نفسها.
وتشير تقديرات القطاع إلى أن طبقة لا يتجاوز سمكها نصف مليمتر تزيد مقاومة السفينة للمياه 25%، وترتفع فاتورة الوقود 40% في الحالات الأكثر تضرراً.
وسرعان ما تصل آثار هذه الترسبات إلى ما هو أبعد من خزانات الوقود، فكل يوم إضافي تقضيه السفينة في رحلتها يرفع تكلفة التشغيل، ويقصر العمر الافتراضي للمعدات. كما يزيد من الانبعاثات الكربونية، وينقل أنواعاً بحرية غريبة بين البيئات المختلفة، بما يهدد التنوع البيولوجي وسبل عيش المجتمعات الساحلية.
وتقدر البيانات الرسمية حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه الظاهرة بـ 50 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم، تستحوذ الصين وحدها على 15 مليار دولار منها.

وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة خلال فترات تعطل حركة الملاحة العالمية، فبالأمس نقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية تحذيرات لباحثين من أن بقاء آلاف السفن عالقة لأشهر في أماكنها عقب إغلاق مضيق هرمز أتاح لكائنات بحرية عديدة التراكم على هياكلها، ما قد يجعل السفن وسيلة لنقلها إلى بيئات جديدة عند استئناف حركة الشحن.
الأمر الذي يهدد التوازن البيئي وبعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر، مثل الثروة السمكية والمنشآت الساحلية.

طلاء السفن.. الحل السحري
وسط هذه التداعيات البيئية والاقتصادية، نجح فريق بحثي بجامعة جنوب الصين للتكنولوجيا في تطوير طلاء بحري يختلف جذرياً عن المنتجات التقليدية. فالطلاءات المعتادة المضادة للتراكمات البحرية تعتمد على إطلاق مواد سامة أو معادن ثقيلة لمنع التصاق الكائنات البحرية.
أما الابتكار الصيني فيحمل مكسباً بيئياً إلى جانب جدواه الاقتصادية، لأنه يعتمد على سطح يتجدد ذاتياً بفضل بوليمرات قابلة للتحلل بصورة تدريجية في مياه البحر، بحيث تتآكل طبقاته الخارجية بشكل محسوب، لتنشأ باستمرار طبقة جديدة غير ضارة تمنع الكائنات البحرية من تكوين ارتباط ثابت بها، ما يجعله أكثر انسجاماً مع التوجهات البيئية الحديثة.
ليست السفن وحدها
اللافت أن كل منشأة تقضي سنوات تحت مياه البحر تواجه المشكلة نفسها. لهذا لم يكن غريباً أن تتسع قاعدة المستفيدين من الابتكار، فمنصات الطاقة، ومنشآت النفط والغاز، والاستزراع السمكي، وشبكات الاتصالات البحرية، تحتاج جميعها إلى حماية دائمة من التآكل والترسبات الحيوية التي ترفع تكاليف الصيانة.
ومن بين أكثر التطبيقات لفتاً للانتباه، مراكز البيانات تحت سطح البحر، التي تمثل جزءاً من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، تتعرض باستمرار لتأثير المياه المالحة والكائنات البحرية.
وبالتالي يمنحها الطلاء الجديد حماية مستمرة تساعد على استقرار تشغيل الخوادم، وتحد من الأعطال، وتطيل العمر التشغيلي للمعدات.
سوق يتغير وموازين تتبدل
على الجانب الآخر، فإن تطوير هذا الطلاء البحري ليس مجرد إنجاز صيني، بل خطوة نحو اقتحام سوق ظلت الشركات الأجنبية تفرض هيمنتها عليه لسنوات. فبحسب الفريق البحثي، كانت السوق الصينية تعتمد على الواردات لتلبية 95% من احتياجاتها من راتنجات الطلاء البحري المتطور.
ومع انتقال الابتكار من المختبر إلى خطوط الإنتاج، بدأت هذه المعادلة تتغير، فالطلاء الجديد يُنتج حالياً بطاقة تتراوح بين 5 و6 آلاف طن سنوياً، وبدأت شركات عاملة في الشحن والطاقة البحرية وبناء السفن في استخدامه، في مؤشر على أن المنتج تجاوز مرحلة التجارب إلى المنافسة التجارية.
وفي صناعة ينقل عبرها أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، تصبح أي تقنية قادرة على تقليل استهلاك الوقود أو إطالة عمر السفن استثماراً اقتصادياً قبل أن تكون مجرد تطوير هندسي.