أغرق الذكاء الاصطناعي العالم بالمحتوى، حتى بدا وكأنه حقق الحلم الذي طالما راود شركات الإعلام والتسويق؛ بعدما جمع بين إنتاج النصوص في ثوانٍ، وتكلفة صفرية، وسرعة لا ينافسها كاتب.
هناك قاعدة بديهية في التسويق تقول إنه "كلما زاد المعروض انخفضت قيمته". وهذا بالضبط ما حدث مع المحتوى المكتوب، فمع زيادة التشابه نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي تحوّلت الأصالة إلى مورد نادر ترتفع قيمته تلقائياً في السوق.
الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الحاجة إلى الكاتب كما يعتقد البعض، بل وسّع مساحة كل منهما؛ فبينما منح المؤسسات أداة سريعة واقتصادية لإنتاج جانب كبير من المحتوى، أعاد في الوقت نفسه الاعتبار للنص الذي يحمل بصمة شخصية لا تستطيع الخوارزميات محاكاتها.
غير أن السوق لا تسير دائماً وفق الحسابات البسيطة، فما إن امتلأت المنصات بالنصوص المتشابهة، حتى أصبحت "الكتابة البشرية" سلعة أكثر ندرة من أي وقت مضى.
وهكذا وُلدت مفارقة اقتصادية لافتة؛ فالتكنولوجيا التي خفّضت تكلفة إنتاج المحتوى رفعت في المقابل القيمة السوقية للأصالة والكلمة التي تحمل أثر صاحبها. كما خلقت تحدياً جديداً يتمثل في إقناع السوق بأن النص يحمل بالفعل بصمة إنسانية.
اقتصاد الوفرة الذي صنع الندرة
تكشف البيانات أن قيمة سوق كتابة الكتب بالذكاء الاصطناعي سترتفع من 2.8 مليار دولار في 2024 إلى 47.1 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب 32.6%.
كما تستخدم 58% من الشركات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء المحتوى، بعدما ساهم في رفع الإنتاجية بنحو 66%، وتسريع النشر 40%، وزيادة التفاعل 28%.
في الوقت ذاته، جاء قطاع التسويق باعتباره الأكثر استخداماً لأدوات الكتابة بالذكاء الاصطناعي، بمعدل 73%، تلاه قطاع الإعلام 65%، ثم قطاع التكنولوجيا 62%، وهو ما أسهم في تدفق كميات كبيرة من المحتوى المتشابه داخل السوق.
لكن هناك قاعدة بديهية في التسويق تقول إنه "كلما زاد المعروض انخفضت قيمته". وهذا بالضبط ما حدث مع المحتوى المكتوب، فمع زيادة التشابه نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي تحوّلت الأصالة إلى مورد نادر ترتفع قيمته تلقائياً في السوق.

العودة إلى البصمة الإنسانية
بهذه المفارقة تبيّن أن الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الحاجة إلى الكاتب كما يعتقد البعض، بل وسّع مساحة كل منهما؛ فبينما منح المؤسسات أداة سريعة واقتصادية لإنتاج جانب كبير من المحتوى، أعاد في الوقت نفسه الاعتبار للنص الذي يحمل بصمة شخصية لا تستطيع الخوارزميات محاكاتها.
لهذا أعادت بعض المؤسسات الإعلامية النظر في سياساتها التحريرية؛ ففي مجلة Aeon اتجه المحررون إلى الإبقاء على السمات الأسلوبية التي تعكس شخصية الكاتب، حتى وإن كانت غريبة، لأن الذكاء الاصطناعي مهما بلغت احترافيته لا يستطيع إنتاج نص يحمل غرابة الإنسان وتفرّده.
أما موقع Pitchfork، فشدّد في إرشاداته التحريرية على أن تكون المراجعات النقدية نتاج تجربة الكاتب وأسلوبه، لا مخرجات أدوات الذكاء الاصطناعي.
عبء جديد على الكتّاب
هذه العودة إلى البصمة البشرية لم تكن مجانية، ففي الماضي كان الكاتب يجتهد لإزالة كل خطأ، وصقل كل جملة حتى تبدو مثالية.
أما اليوم فقد أصبح الكمال نفسه مدعاة للشك، لأن الكاتب الذي تبدو جمله متناسقة ومنضبطة قد يجد نفسه موضع اتهام باستخدام الذكاء الاصطناعي.
لهذا بدأ كثير من الكتّاب يتعمدون كسر نمط كتاباتهم، فيستخدمون مثلاً ضمير المتكلم أو يبتكرون تعبيرات غير مألوفة، أو يغيّرون إيقاع الجمل، بل يترك بعضهم أحياناً أخطاء طفيفة عن عمد أو علامات ترقيم غير متوقعة حتى يثبت أن النص خرج من عقل إنسان.
ووصل الأمر إلى ظهور أدوات صُممت خصيصاً لمقاومة "الكمال"، فقد طور رائد الأعمال بن هورويتز تطبيق Sinceerly الذي يترك بعض الأخطاء الإملائية عمداً، ويضيف تفاصيل بسيطة لـ"أنسنة الكتابة".
كما ظهرت أداة Academic Humanizer لإزالة الأنماط اللغوية التي تكشف اعتماد الباحثين على الذكاء الاصطناعي في كتابة الأبحاث والرسائل العلمية.

أزمة ثقة ترفع كلفة الصناعة
اللافت أن هذه التحولات لم تُربك الكتّاب وحدهم، بل وضعت صناعة النشر والإعلام أمام أزمة ثقة مكلفة، لأنه مع تزايد الاتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت دور النشر أكثر تشدداً في مراجعة الأعمال، وأدرجت بعض المؤسسات بنوداً تعاقدية تمنع تسليم أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي دون الإفصاح عنها.
في المقابل، ارتفعت كلفة المراجعة والتحقق، لأن أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي ليست دقيقة دائماً، وقد تتهم كتّاباً حقيقيين بإنتاج محتوى آلي، وهو ما ضاعف المخاطر القانونية والمهنية وألقى بعبء إثبات أصالة النصوص على الكتّاب والناشرين، بعد أن كان عبء الإثبات في الماضي يقع على من يشكك فيها.