شكلت التقلبات الشديدة التي شهدتها الأسواق الناشئة خلال يوليو (تموز) الماضي اختباراً قاسياً لآمال المستثمرين الذين يراهنون على أن يكون العام الحالي محطة استثنائية للتعافي.
ورغم الطفرات المؤقتة التي سجلتها بعض الأسواق في نهاية تعاملات الشهر، إلا أن المشهد العام بات محاطاً بحالة من الحذر والضبابية جراء تضافر ضغوط التكنولوجيا، والسياسات النقدية، والأزمات الجيوسياسية المتواصلة.
صدمة التكنولوجيا
تبددت حالة التفاؤل مع تصاعد شكوك المستثمرين بشأن الجدوى الاقتصادية للاستثمارات الضخمة الموجهة لقطاع الذكاء الاصطناعي.
وانعكست هذه المخاوف بشكل مباشر على أسهم عمالقة صناعة الرقائق الإلكترونية والأشباه الموصلات في كوريا الجنوبية وتايوان، اللتين تستحوذان معاً على نحو 45 % من وزن مؤشر "إم.إس.سي.آي" للأسهم الناشئة.
وهذا التركيز يجعل المؤشر بأكمله رهينة لتقلبات حادة في عدد محدود من الأسهم؛ إذ شهد مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي تذبذبات عنيفة، انخفض خلالها بنسب قياسية قبل أن يرتفع مجدداً بفضل مكاسب شركتي "سامسونغ" و"إس.كيه هاينكس".
ورغم أن هذا الارتفاع دفع المؤشر لتسجيل أفضل أداء يومي له منذ 2008، إلا أن السوق سرعان ما استأنف تراجعه، وسط تباين واضح في السلوك الاستثماري بين عمليات شراء أجنبية مكثفة وموجة بيع قياسية من المستثمرين المحليين، بحسب تحليل لوكالة الأنباء الألمانية.
عقبة النفط والفيدرالي الأمريكي
ولم تقتصر التحديات على قطاع التكنولوجيا فحسب، بل تفاقمت بفعل ضغوط الاقتصاد الكلي. فقد قفزت أسعار النفط بنحو 20% خلال يوليو مع تجدد التصاعُد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران والحصار المفروض على مضيق هرمز، ما أثار مخاوف عميقة بشأن إمدادات الطاقة العالمية ودفع الخبراء للتحذير من انعكاسات ذلك على معدلات التضخم.
في الوقت نفسه، واجهت الأسواق احتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية؛ إذ أدى تثبيت مجلس الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة مع استمرار ارتفاع التضخم إلى موجة بيع في سندات الخزانة، وارتفاع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بنحو 65 نقطة أساس منذ اندلاع الحرب في فبراير(شباط) الماضي.
هذا الارتفاع أدى إلى تآكل هامش الربح بين سندات الدول المتقدمة والناشئة ليقترب من أدنى مستوياته التاريخية، ما يقلل الحماية المتاحة لسندات الأسواق الناشئة، لا سيما ذات التصنيف الائتماني المنخفض.
المخاوف المناخية
وإلى جانب أزمات الطاقة والفائدة، تبرز ظاهرة النينو المناخية والتي تعد الأقوى منذ عقود كخطر داهم يهدد بزيادة أسعار المواد الغذائية، وهو المحرك الأساسي للتضخم في الدول النامية.
وأمام هذه العوامل المتلاحقة، خفض الاستراتيجي المخضرم "إد يارديني" موقفه من أسهم الأسواق الناشئة، مشيراً إلى التقاء أربعة عوامل معاكسة: أسعار النفط، وتشدد الفيدرالي، وقوة الدولار، والإرهاق من تقلبات أسهم الذكاء الاصطناعي.
في مقابل تحذيرات بنوك استثمار عالمية مثل "مورجان ستانلي" و"يو بي إس" التي دعت إلى الانتقائية الشديدة في شراء السندات، يرى فريق من المستثمرين مثل شركة ويليام بلير، أن عمليات البيع الأخيرة تشكل استراحة مؤقتة وفرصة طويلة الأجل مع تراجع مستويات الرافعة المالية لدى الأفراد.
فيما يقول محلل الأسواق الناشئة في شركة ناينتي ون أسيت مانجمنت لإدارة الأصول، روجر مارك، "إن هذه الظروف مجتمعة خلقت خلفية قاتمةً للأسواق الناشئة"، مشيراً إلى أن الحصار المفروض على مضيق هرمز لا يبدو أنه سوف ينتهي قريباً، وبخاصة إذا امتدت الحرب الأمريكية الإيرانية إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
ورغم أن أسهم الأسواق الناشئة لا تزال تحتفظ بمكاسب تصل إلى 18% منذ بداية العام، إلا أنها تقل كثيراً عن الذروة التي سجلتها في يونيو(حزيران) الماضي، لتظل تداولات الفترة المقبلة مرهونة بمدى استقرار تدفقات الطاقة ومسار الفائدة العالمية.