تجاوز جسد الرياضي المحترف دوره التقليدي كأداة لتحقيق الانتصارات الميدانية، ليتحول في العصر الرقمي إلى محرك اقتصادي ومنجم بيانات يُدر ملايين الدولارات سنوياً.

ومع تحول التفاصيل الفسيولوجية إلى أصول رقمية ذات قيمة استثمارية عالية، شهد قطاع تحليلات البيانات الرياضية قفزة نوعية لتصل قيمته السوقية العالمية إلى 4.1 مليار دولار، وسط توقعات بأن تتجاوز 12.8 مليار دولار بحلول عام 2034، وبمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 13.5%، وفقاً لتقرير مؤسسة "داتا إنتيلو" للأبحاث الاقتصادية.

 ولم يعد هذا القطاع مقتصراً على إحصاء عدد الأهداف والتمريرات، وإنما امتد إلى عمق الجسد البشري نفسه، معدلات ضربات القلب، ومستويات الأكسجين في الدم، وتنبؤات الإصابة المستقبلية، لتصبح هذه المؤشرات الحيوية سلعة قابلة للبيع والشراء بين شركات عالمية كبرى.

آلية جمع البيانات وتحويلها إلى "سلعة"
تعتمد الأندية اليوم على أجهزة قابلة للارتداء فائقة الدقة أثناء التدريبات والمباريات، إذ تُستخدم صدريات تتبع الموقع (جي بي إس) من شركتي "كاتابولت" و"ستاتسبورتس"، إضافة إلى خواتم "أورا" وأساور "ووب" الذكية. وتجمع هذه الأجهزة ملايين النقاط البيانية يومياً، تشمل معدل الجهد العضلي ودرجة إجهاد الأربطة، وجودة النوم ومعدل الاستشفاء الخلوي، وصولاً إلى بيانات حيوية حساسة للغاية مثل تقلبات ضربات القلب (HRV) ومستويات الأكسجين في الدم.

وتؤكد بيانات السوق العالمية حجم هذا التوسع التقني، إذ يُقدر سوق الأجهزة القابلة للارتداء الرياضية عالمياً بقرابة 5.8 مليار دولار في 2025، فيما تنشر شركات مثل "كاتابولت" و"ستاتسبورتس" و"كينيكسون" سترات وأجهزة استشعار متعددة تلتقط أكثر من ألف نقطة بيانية في الثانية الواحدة لكل رياضي، لترصد التسارع والتباطؤ وحمل القفز وتفاوت معدل ضربات القلب وجودة النوم.

سوق المشترين.. من يدفع للحصول على "نبضات" اللاعب؟

وفقاً لتقرير "داتا إنتيلو"، توجد ثلاث جهات رئيسية مستعدة لدفع مئات الملايين من الدولارات للأندية والروابط الرياضية مقابل الحصول على هذه البيانات:

شركات تكنولوجيا الرعاية الصحية والتأمين: تشتري هذه الشركات البيانات، بعد إخفاء هوية اللاعبين قانونياً، لاستخدام خوارزميات أداء الرياضيين النخبة في تطوير تطبيقات صحية عامة وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الطبي على توقع النوبات القلبية أو إصابات المفاصل لدى عامة الناس.

شركات المراهنات الرياضية: يمثل هذا القطاع السوق الأسرع نمواً في هذا المجال، إذ تسعى شركات المراهنات لشراء البيانات الحيوية الحية، مثل نبضات قلب اللاعب قبل تسديد ركلة جزاء، لضبط الاحتمالات الحية وتصميم مراهنات جديدة كلياً تعتمد على الحالة البدنية الفورية للاعب. وبحسب "داتا إنتيلو"، أدى تقنين المراهنات الرياضية في أكثر من 38 ولاية أمريكية إلى توليد ما يتجاوز 120 مليار دولار من الرهانات السنوية، وهو ما خلق طلباً هائلاً على تدفقات البيانات اللحظية والتنبؤية الدقيقة. وتُقدَّر صفقة ترخيص بيانات الدوري الأمريكي لكرة القدم (NFL) بما يتجاوز مليار دولار سنوياً عند جمعها من جميع شركائها في مجال المراهنات، فيما يتوقع التقرير ذاته أن تولد هذه الديناميكية إيرادات سوقية إضافية تتراوح بين 800 مليون ومليار ومئتي مليون دولار بحلول 2030.

القنوات الناقلة ومنصات البث: بدأت الشبكات التلفزيونية في شراء حقوق عرض البيانات البيومترية مباشرة على الشاشة أثناء بث المباريات، مثل إظهار سرعة ضربات قلب المدرب أو اللاعب ومستوى الإرهاق التراكمي، ما يرفع من تفاعل المشاهدين وجاذبية الإعلانات، حيث يتجاوز حجم سوق البث الرياضي العالمي 16 مليار دولار في 2025، بحسب المصدر ذاته، لتشكل هذه القيمة سوقاً واسعة وقابلة للتوسع بالنسبة لموردي تحليلات البث.

أبعاد السوق الإقليمية والقطاعية

طبقاً لأرقام تقرير داتا إنتيلو، تتصدر أمريكا الشمالية المشهد الإقليمي بحصة تبلغ 38.4% من إجمالي الإيرادات العالمية في 2025، أي ما يعادل قرابة 1.57 مليار دولار، مدعومة بثقافة تبنٍّ تقني عميقة داخل الدوريات الأمريكية الكبرى، وباستثمارات رأسمالية جريئة تجاوزت 600 مليون دولار في تمويل تقنيات الرياضة خلال 2025 وحدها. وتأتي أوروبا في المرتبة الثانية بحصة 28.7%، مدفوعة بنضج تحليلي مبكر لدى أندية مثل برشلونة ومانشستر سيتي وبايرن ميونخ، فيما تُتوقع منطقة آسيا والمحيط الهادئ أن تكون الأسرع نمواً بمعدل يقارب 15.9% سنوياً حتى 2034، مدفوعة بالدوري الهندي الممتاز للكريكيت وصناعة الرياضات الإلكترونية المزدهرة في كوريا الجنوبية والصين.

وعلى صعيد التصنيف القطاعي، أشار التقرير ذاته إلى أن التحليلات "خارج الملعب"، والمتضمنة التوظيف والكشف عن المواهب وتقييم العقود والرعاية، استحوذت على 54.2% من الإيرادات، مقابل 45.8% للتحليلات "داخل الملعب" الأسرع نمواً بمعدل يقارب 14.3% سنوياً. أما من ناحية النشر التقني، فتهيمن الحوسبة السحابية بحصة 67.8% من السوق، إذ تتيح مرونة تشغيلية وتكلفة أقل مقارنة بالبنية التحتية المحلية التي لا تزال تحتفظ بحصة 32.2%، خصوصاً لدى الأندية والوكالات الوطنية ذات المتطلبات الصارمة لسيادة البيانات.

كبار اللاعبين في السوق
يهيمن على المشهد التنافسي مزيج من عمالقة التكنولوجيا المؤسسية وشركات متخصصة في بيانات الرياضة، إذ تستحوذ خمس شركات فقط، هي "آي بي إم" و"إس إيه بي" و"أوراكل" و"ستاتس بيرفورم" و"كاتابولت سبورتس"، على قرابة 38.5% من إجمالي إيرادات السوق في 2025. وتحافظ "آي بي إم" على مكانتها الريادية عبر منصة الذكاء الاصطناعي "واتسون"، التي تربطها شراكات تجارية عميقة مع بطولات كبرى مثل الماسترز وويمبلدون وأمريكا المفتوحة وأستراليا المفتوحة. وتُعد "ستاتس بيرفورم"، الناتجة عن اندماج "ستاتس" و"بيرفورم" في 2019، المزود الأول عالمياً لبيانات الرياضة، إذ تغطي أكثر من 70 رياضة وتخدم أكثر من ألف عميل إعلامي وتقني حول العالم. أما "كاتابولت سبورتس"، فتقود قطاع مراقبة الرياضيين عبر منصاتها المنتشرة في أكثر من 3 آلاف فريق ضمن 40 رياضة في 120 دولة، معتمدة على قاعدة بيانات "بيومترية" طولية تمتد لأكثر من 15 عاماً.

الصراع القانوني والأخلاقي.. من يملك نبضات اللاعب؟

يدور اليوم صراع ثلاثي شرس حول ملكية هذه البيانات الحساسة. فالأندية والروابط الرياضية تجادل بأن لها الحق في بيع هذه البيانات لأنها جُمعت بأجهزتها، وداخل منشآتها، وأثناء فترات العمل الرسمية للاعبين. في المقابل، تقود نقابات اللاعبين حراكاً قانونياً واسعاً لحماية أعضائها، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لنقابات لاعبي كرة القدم "فيفبرو"، الذي أعلن عن شراكة طويلة الأمد مع منصة "سبورتس داتا لابز" أطلقها عبر فرع جديد أسماه "فيفبرو تكنولوجيز"، بهدف بناء منصة عالمية تتيح للاعبين جمع بياناتهم والتحكم فيها وتحقيق عوائد مالية منها.

وتشمل هذه البيانات، وفق بيان "فيفبرو" الرسمي، بيانات التتبع الحركي والفسيولوجية، والسجلات الطبية، والبيانات الجينية، ومعلومات إحصائية وسياقية أخرى، تُجمع من الأجهزة القابلة للارتداء وتقنيات التتبع البصري وأنظمة السجلات الطبية الإلكترونية. وبموجب هذه الشراكة، أصبح "فيفبرو تكنولوجيز" مساهماً في "سبورتس داتا لابز"، لينضم بذلك إلى رابطة لاعبي الدوري الأمريكي لكرة القدم (NFLPA) ومستشفى "كليفلاند كلينك" الطبي العالمي ضمن المساهمين في المنصة ذاتها.

وأوضح المدير التجاري لـ"فيفبرو"، أندرو أورساتي، أن هذه الشراكة تمنح اللاعبين استعادة السيطرة على بياناتهم الشخصية، مع الحفاظ عليها وإدارتها طوال مسيرتهم المهنية، وخلق قيمة جديدة عبر منظومة كرة القدم الاحترافية بأكملها. من جهته، أكد الرئيس التنفيذي لـ"سبورتس داتا لابز"، مارك غورسكي، أن المنصة تُمكن لاعبي كرة القدم حول العالم من جمع بياناتهم والتحكم فيها وتحقيق قيمة جديدة منها، عبر بناء مجموعات بيانات طولية أكبر تضع الرياضي الفرد في صميم كيفية استخدام بياناته ومشاركتها.

أُطلقت المنصة رسمياً في 2025، لتكون مجانية بالكامل لجميع لاعبي كرة القدم المحترفين وأعضاء نقابات "فيفبرو"، إذ تعمل كجهة مركزية موثوقة لجميع استخدامات الأطراف الثالثة لبياناتهم الشخصية، تتيح لهم تحديد شروطهم وأذوناتهم الخاصة بكيفية استخدام بياناتهم، على أن يشارك اللاعبون في حصة من العوائد عند أي فرصة تسييل تجاري يختارون المشاركة فيها طوعاً عبر المنصة.

ويرفض اللاعبون، بحسب المادة العلمية المرافقة لهذا التقرير، أن تُباع بياناتهم لشركات المراهنات، أو أن تُستخدم ضدهم لخفض رواتبهم عند تجديد العقود استناداً إلى خوارزميات تتوقع إصابتهم في المستقبل القريب. ويضاف إلى هذا الصراع بُعد تشريعي معقد، إذ تُصنَّف البيانات الطبية بموجب أنظمة حماية البيانات الأوروبية، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، بيانات "حساسة للغاية"، ما يمنع بيعها أو تداولها من دون موافقة صريحة ومكتوبة وخالية من أي ضغط من اللاعب شخصياً، وهو ما يُعقد بشكل مباشر عمليات التسييل المالي التي تسعى إليها الأندية والروابط.

التطبيقات الأوسع للتحليلات الرياضية
يتصدر تطبيق "تحليل الأداء" قائمة الاستخدامات بحصة 33.6% من إجمالي إيرادات السوق في 2025، تليه تطبيقات "لياقة اللاعب وسلامته" بحصة 21.4%، بمعدل نمو متوقع يقارب 15.1% سنوياً، مدفوعة بمخاوف مؤسسية متصاعدة حيال سلامة الرياضيين، خصوصاً في ملفات إدارة مخاطر الارتجاج الدماغي داخل الرياضات التصادمية. أما تحليلات "تقييم اللاعبين والفرق"، التي تُطبق نمذجة إحصائية لقياس القيمة السوقية للاعبين في سوق الانتقالات ومعايير التحكيم في الرواتب، فتستحوذ على قرابة 14.7% من السوق، وتكتسب زخماً متزايداً مع تصاعد الحصص المالية في سوق انتقالات اللاعبين.

مستقبل الاستثمار الرياضي القائم على البيانات الحيوية
يكشف هذا المسار الاقتصادي المتسارع أن جسد الرياضي المحترف بات يُدار اليوم كأصل مالي مستقل بذاته، لا كأداة بدنية بحتة تُقاس بنتائجها الرياضية فقط. فبينما تراهن شركات التأمين والمراهنات والبث على تحويل كل نبضة قلب وكل قطرة عرق إلى نقطة بيانات قابلة للتسييل، تخوض نقابات اللاعبين، بقيادة "فيفبرو" وشراكتها مع "سبورتس داتا لابز"، معركة موازية لضمان أن يبقى الجهد الرياضي للاعب ذاته، لا الجهات المستفيدة من عرقه وأدائه، صاحب القرار الأول في من يملك حق الوصول إلى أعمق أسراره الجسدية وبأي ثمن. ومع توقعات بلوغ سوق تحليلات البيانات الرياضية 12.8 مليار دولار بحلول 2034، يبدو أن هذا الصراع بين الملكية الفردية والاستثمار المؤسسي مرشح للاشتداد عاماً تلو الآخر، في وقت تتحول فيه البيانات البيومترية إلى ما وصفته التقارير بـ"النفط الجديد" في الاقتصاد الرياضي العالمي.