تتبنى دولة الإمارات سياسات تستهدف تمكين أصحاب المواهب والأفكار من تحويل شغفهم إلى مشاريع اقتصادية، عبر منظومة متكاملة تضم التشريعات، برامج التمويل، الحاضنات ومسرعات الأعمال، في إطار رؤية تعزز اقتصاد المعرفة والابتكار، إذ أصبح الاستثمار في الشغف أحد محركات الاقتصاد الحديث.
وتشكل بيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة أحد المسارات التي تتيح تحويل الأفكار والمهارات إلى أعمال اقتصادية، إذ تسهم هذه المشاريع بنحو 63% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي لدولة الإمارات، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والسياحة، ما يعكس الدور المتنامي لريادة الأعمال في تنويع الاقتصاد الوطني.
ويأتي ذلك بالتوازي مع توجه حكومي لترسيخ الاقتصاد الإبداعي كأحد روافد الاقتصاد الوطني، إذ تستهدف الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية، التي تقودها وزارة الثقافة، رفع مساهمة القطاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، ومضاعفة عدد المنشآت العاملة فيه، من خلال 40 مبادرة تركز على تطوير المواهب، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية.
إذ نجحت دبي خلال 2023 في استقطاب 898 مشروع استثمار أجنبي مباشر في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، ما أسهم في رفع إجمالي تدفقات رؤوس أموال مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع إلى 11.8 مليار درهم، وفق تقرير "دبي الإبداعية: استكشاف آفاق الإبداع المستقبلية" الصادر عن هيئة الثقافة والفنون في دبي، بالاستناد إلى بيانات مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء.
مسارات لتحويل المواهب إلى مشاريع
ولا يقتصر تحويل المواهب والأفكار إلى مشاريع اقتصادية على وضع الاستراتيجيات، بل تدعم الإمارات هذا المسار عبر جهات وبرامج تستهدف مراحل مختلفة من رحلة المشروع، بدءاً من تطوير المهارة والفكرة، وصولاً إلى الإنتاج والوصول إلى الأسواق.
في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، أطلقت وزارة الثقافة البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع بهدف دعم المبدعين الإماراتيين وتعزيز نموهم الإبداعي والمهني، عبر منح تساعد أصحاب المواهب على تطوير مشاريعهم في مجالات الإبداع والإنتاج، وتنمية المهارات، وتعزيز حضورهم، بما يسهم في بناء منظومة داعمة للاقتصاد الإبداعي.
كما تلعب منظومات دعم ريادة الأعمال دوراً في الانتقال من مرحلة الفكرة إلى تأسيس الشركات، من خلال توفير التدريب والإرشاد وربط أصحاب المشاريع بالفرص الاستثمارية والأسواق. ويعد Hub71 في أبوظبي نموذجاً لهذه المنظومات، إذ يوفر بيئة للشركات الناشئة تجمع بين المؤسسين والمستثمرين والشركات الكبرى، إلى جانب برامج وحوافز تساعد الشركات على النمو والتوسع.
ويأتي هذا الدعم ضمن توجه أوسع لتعزيز دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد القائم على المعرفة، حيث لا تقتصر أهمية هذه المبادرات على إطلاق مشاريع جديدة، بل تهدف إلى بناء شركات تمتلك القدرة على النمو وخلق قيمة اقتصادية مستدامة.
حين تتحول الأفكار إلى قيمة
القيمة الاقتصادية للشغف لا تنشأ من الموهبة نفسها، وإنما من القدرة على تحويلها إلى أصل اقتصادي يمكن تطويره واستثماره، بحسب محمد ياسين، مدير شركة ديبكس لإدارة المشاريع.
ويقول لـ"24" إن ما يميز التجربة الإماراتية أنها لم تكتفِ بتشجيع ريادة الأعمال، بل عملت على بناء منظومة متكاملة تقلل الفجوة بين الفكرة والسوق، من خلال التشريعات، والحاضنات، وبرامج التمويل، والإرشاد، ما يمنح أصحاب المواهب فرصة أكبر لتحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للنمو.
وبرأيه، أن المشاريع القائمة على الإبداع تختلف عن الأنشطة التقليدية، لأن رأس مالها الأساسي هو المعرفة والابتكار والملكية الفكرية، لذلك فإنها تحتاج إلى بيئة تنظيمية واستثمارية تسمح باختبار الفكرة وتطويرها قبل التوسع فيها، ما يسهم في رفع فرص نجاحها واستمرارها.
ولا تكمن أهمية السياسات الداعمة في تمويل المشروع فقط، برأي ياسين، بل في تقليل المخاطر التي تواجه المراحل الأولى، وهي المرحلة التي تتعثر فيها غالبية المشاريع الناشئة عالمياً، مشيراً إلى أن توفير التدريب والاحتضان وربط رواد الأعمال بالمستثمرين والأسواق يختصر الوقت والتكلفة اللازمة لبناء مشروع مستدام.
كيفية بناء المشاريع الإبداعية
ويشير ياسين إلى أن الاستثمار في الصناعات الإبداعية يختلف عن الاستثمار بالقطاعات التقليدية، لأن القيمة فيه تتولد من الأصول غير الملموسة، مثل العلامات التجارية، وحقوق الملكية الفكرية، والمنتجات المعرفية، وهي أصول تزداد قيمتها مع توسع المشروع ودخوله أسواق جديدة.
ويؤكد أن نجاح أي منظومة لتمكين المواهب لا يقاس بعدد المشاريع التي تبدأ، وإنما بعدد المشاريع التي تنجح في الاستمرار والنمو والتحول إلى شركات قادرة على خلق قيمة مضافة ووظائف جديدة، ما يجعل الاستثمار في الشغف جزءاً من بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.