فتح النجم البرازيلي نيمار جونيور باب الشك حول مستقبله الكروي على مصراعيه خلال الساعات الماضية، بحسب ما نشرته صحيفة "أونز مونديال" الفرنسية.

فبعد أسابيع قليلة من إعلانه اعتزال اللعب دولياً مع "السيليساو"، بات قائد سانتوس الحالي يترك الباب مفتوحاً أمام كل السيناريوهات على صعيد الأندية أيضاً، بما في ذلك الاعتزال النهائي لكرة القدم بمجرد انتهاء عقده مع النادي البرازيلي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وخلال مزاد خيري نُظم في ساو باولو، فاجأ نيمار الجميع بتصريحه إنه لن يفكر في مستقبله إلا بعد نهاية عقده، سواء بالبقاء في سانتوس أو الرحيل أو التوقف كلياً عن اللعب، مؤكداً أنه لا يعرف حقاً ما سيقرره. وتحمل هذه التصريحات دلالة كبيرة، إذ بدا البرازيلي حتى وقت قريب مصمماً على مواصلة مسيرته رغم سلسلة الإصابات التي طبعت مواسمه الأخيرة. وتُذكر هذه التصريحات بما سبق أن قاله نيمار مطلع هذا العام، عندما طرح للمرة الأولى احتمال الاعتزال، موضحاً رغبته في العيش "عاماً تلو الأخر" وإقراره باحتمال إنهاء مسيرته بنهاية 2026.

ولم يُخفِ والده، نيمار دا سيلفا سانتوس، قلقه أيضاً خلال الأسابيع الماضية؛ فبعد خروج البرازيل من كأس العالم، شجع علناً ابنه على مواصلة اللعب، طالباً منه استعادة متعة الملعب مذكراً إياه بأنه بات في حالة صحية جيدة. وحاول الأب التخفيف من حدة الأمر بنبرة ساخرة، قائلاً إن نيمار يعشق كرة القدم ولا خيار آخر أمامه بذاته طالما لم يحصل بعد على شهادة في الطب، لكن لا أحد اقتنع بهذه المزحة؛ فسياق الحديث لا يخلو من دلالة، إذ طوى نيمار للتو صفحة أكثر من خمسة عشر عاماً مع القميص البرازيلي، وبات عليه الآن حسم قراره بشأن الأشهر الأخيرة من مسيرته.

البُعد الاقتصادي: ماذا يعني اعتزال لاعب بثروة 450 مليون دولار؟
يحمل هذا التردد أبعاداً اقتصادية ضخمة تتجاوز حدود الملعب بكثير؛ فنيمار ليس مجرد لاعب يقترب من نهاية مسيرته، وإنما إمبراطورية مالية متكاملة راكمت أرباحاً مهنية إجمالية تجاوزت 700 مليون دولار طوال مسيرته بين سانتوس والهلال السعودي وباريس سان جيرمان وبرشلونة، لتبلغ ثروته الصافية الحالية قرابة 450 مليون دولار في 2026، وفقاً لتقارير "سيليبريتي نت وورث" و"فوربس".

وتكشف تحليلات اقتصادية متخصصة، نقلتها منصات مثل "سبورتيكو" و"سبورتس برو"، أن غياب لاعب عن الملعب لا يعني بالضرورة انهيار عوائده المالية، خصوصاً إذا كان يمتلك علامة تجارية شخصية بحجم نيمار.

استقرار العلامة التجارية رغم الاعتزال
يقوم عقد نيمار الأضخم خارج الملعب، مع شركة "بوما" والذي يدر عليه قرابة 30 مليون دولار سنوياً، على ظهوره الإعلامي ومشاركته في تصميم خطوط أزياء وأحذية خاصة تحمل اسمه، لا على عدد الدقائق التي يخوضها فعلياً داخل الملعب. ويرتبط البرازيلي أيضاً بعقود رعاية طويلة الأجل مع شركات عملاقة مثل "ريد بول"، و"بيتس باي دري"، و"بوكر ستارز"، و"ميركادو ليفري".

صحيح أن بنود بعض عقود رعاية المنتخبات المحلية قد تنخفض قيمتها بنسبة تتراوح بين 15% و25% نتيجة غياب اللاعب عن الظهور في البطولات القارية الكبرى، إلا أن العقود العالمية لا تتأثر كثيراً، إذ تعتمد أساساً على قاعدته الجماهيرية التي تتجاوز 400 مليون متابع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يضمن استمرار عوائد إعلانية خارج الملعب تُقدَر بـ28 مليون دولار سنوياً وفقاً لـ"فوربس".

من نجم ملعب إلى سفير علامة تجارية مدى الحياة
على خطى ديفيد بيكهام ومايكل جوردان، يمهد اقتراب الاعتزال الطريق أمام نيمار للدخول في عقود رعاية طويلة الأجل بصفته "سفيراً عالمياً"، ما يضمن له تدفقاً مالياً مستداماً لأعوام طويلة مقبلة دون عناء السفر والتدريبات اليومية.

الهيكل المالي الذي يحمي الثروة من تقلبات الملعب
تُدار ثروة نيمار بالكامل عبر شركة عائلية شديدة التنظيم تُدعى "NR Sports"، أسسها والداه في البرازيل منذ 2006. ولا تعمل هذه الشركة كوكيل لاعبين تقليدي، وإنما كصندوق إدارة أصول وصورة تجارية، إذ تمتلك الحقوق الحصرية لاسم نيمار وصورته وعلامته التجارية وصوته وتمثيله القانوني، بحيث لا تتفاوض أي شركة عالمية مع اللاعب مباشرة، وإنما تشتري ترخيصاً من الشركة ذاتها، وهو هيكل يحمي اللاعب من الضرائب المباشرة المرتفعة على الأفراد ويحول أرباحه إلى أرباح شركات بمعدلات ضريبية أفضل.

وتستثمر الشركة سيولتها في محفظة أصول متنوعة تضمن استمرار نمو الثروة بمعزل عن استمرار نيمار باللعب من عدمه؛ ففي البرازيل، يمتلك قصر "مانغاراتيبا" الشهير في ريو دي جانيرو، الذي يضم مهبط طائرات هليكوبتر وملعب كارتينج وبحيرة صناعية، وتُقدر قيمته بقرابة 9 ملايين دولار، إضافة إلى شقق فاخرة في أبراج "ياخت هاوس"، أعلى الأبراج السكنية في البرازيل. كما استثمر في شقق بنتهاوس وعقارات ساحلية في دبي وميامي تماشياً مع الطفرة العقارية العالمية.

وتمتد استثماراته الرقمية إلى قطاع الرياضة الإلكترونية عبر شراكات مع فرق مثل "فيوريا إي سبورتس"، إلى جانب حيازته سابقاً لقطع فنية رقمية من مجموعة "بورد إيب ياخت كلوب" بقيمة تجاوزت المليون دولار. أما على صعيد الرفاهية، فيمتلك طائرة خاصة من طراز "فالكون 900 إل إكس" ويختاً فاخراً، مسجلين تحت أسماء شركات تابعة لـ"NR Sports" لتقليل التكاليف الضريبية التشغيلية.

فسواء اختار نيمار البقاء في سانتوس، أو الرحيل إلى وجهة جديدة، أو الاعتزال الكامل بنهاية هذا العام، يبدو أن إمبراطوريته الاقتصادية المقدرة بقرابة 450 مليون دولار مبنية أصلاً لتستمر في توليد عشرات الملايين سنوياً لعقود مقبلة، بمعزل تام عن قراره النهائي بشأن كرة القدم.