تُثير حوادث خروج وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعة لشركات "أوبن إيه آي"، "أنثروبيك"، و"ميتا" عن السيطرة واختراقها لأنظمة خارجية بصفة مستقلة، معضلة قانونية غير مسبوقة، قد تضع المحامين والقضاة أمام تحديات جديدة خلال المرحلة المقبلة.
ونجم حادث ميتا وأنثروبيك عن خطأ في التهيئة البرمجية منح النماذج الوصول بالخطأ إلى شبكة الإنترنت المفتوحة، بينما استغل نموذج "أوبن إي آي" ثغرة أمنية غير معروفة للوصول إلى الشبكة بشكل مستقل. إلا أن غياب التدخل البشري المباشر أثناء عمليات الاختراق أثار تساؤلات قانونية معقدة، حيال الجهة التي تتحمل المسؤولية في حال استخدام هذه الأنظمة مستقبلاً لتنفيذ اختراقات تستهدف مؤسسات أو بنى تحتية رقمية.
وتحدث 24 مع عدد من أساتذة القانون، لاستكشاف التداعيات المحتملة، والتي قد تتراوح بين دعاوى مدنية تطالب بالتعويض عن أضرار ناتجة عن الاختراقات، ومسؤوليات جنائية في حال ثبوت الإهمال الجسيم أو العلم المسبق بإمكانية إساءة استخدام هذه الأنظمة.
سؤال: هل تتحمل الشركة المطوِّرة للنموذج المسؤولية القانونية؟
تقول أستاذة القانون وحوكمة الذكاء الاصطناعي في كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية جيهان فقيه لـ24: "الإجابة ليست مطلقة، وإنما تخضع لطبيعة سبب الاختراق. فإذا وقع نتيجة إساءة استخدام أو هجمات مثل Prompt Injection أو Jailbreak رغم التزام الشركة المطورة بمعايير الحماية المتعارف عليها، فمجرد حدوث اختراق لا يكفي لإثبات مسؤوليتها القانونية".
وأضافت أن المسؤولية قد تنشأ في حال ثبت أن الشركة على علم بثغرات جوهرية وتقاعسها عن معالجتها أو إهمال تطبيق معايير الأمن السيبراني، فقد تتعرض للمساءلة القانونية على أساس الإهمال. ويعكس ذلك اتجاهاً قانونياً حديثاً يعرف بـ" واجب الحوكمة الوقائية للذكاء الاصطناعي"، والذي لا يقتصر على معالجة الأضرار بعد وقوعها، بل يفرض على المطورين تقييم المخاطر بشكل استباقي ووضع ضوابط تحد من احتمالات سوء الاستخدام.

أستاذة القانون وحوكمة الذكاء الاصطناعي: د. جيهان فقيه
سؤال: هل تعد هذه المسؤولية مدنية أم جنائية؟
يقول الدكتور مجيد بودن، أستاذ القانون والمحلل الاقتصادي والسياسي في باريس: "تقع على عاتق شركات التكنولوجيا مثل أنثروبيك أو أوبن إيه آي وغيرهما مسؤولية مدنية وجزائية عن أي اختراق أو انتهاك تقوم به نماذجها وأنظمتها تجاه جهات أخرى"، مشيراً إلى أن النفاذ غير القانوني إلى أنظمة الشركات أو الاستيلاء على بياناتها أو استخدامها دون إذن لأغراض التدريب يمثل انتهاكاً قد يترتب عليه ضرر مادي ومعنوي ويحق للطرف المتضرر المطالبة بالتعويض وجبر الضرر ودياً أو قضائياً".

أستاذ القانون والمحلل الاقتصادي والسياسي: د. مجيد بودن
في المقابل، تؤكد الدكتورة جيهان على أن مسؤولية مطوري الذكاء الاصطناعي تكون غالباً ضمن النطاق المدني، مشيرة إلى أن "المسؤولية الجنائية تظل استثناءً لا يتحقق إلا بوجود قصد جنائي، أو علم مسبق بالخطر، أو ارتكاب إهمال جسيم، أو المشاركة المباشرة في الجريمة. وبالتالي، لا تُسأل الشركة مطوّرة النموذج جنائياً لمجرد إساءة طرف ثالث استخدام تقنيتها"، مشبهة ذلك بعدم مسؤولية مُصنع السيارات جنائياً عن جريمة ارتكبها سائق باستخدام سيارة اشتراها بصورة مشروعة.
قدرات مقلقة.. كيف نفذ وكلاء "أوبن إيه أي" هجماتهم السيبرانية الأخيرة؟ - موقع 24كشفت شركة "أوبن إيه أي" المالكة لنموذج "شات جي بي تي"، أن وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعين لها اختراقوا بيئة الاختبارات الأمنية الداخلية للشركة قبل أسابيع من الحادثة التي استهدفت منصة "Hugging Face" في منتصف يوليو (تموز) الماضي، في واقعة وصفتها بأنها "لحظة ...
سؤال: هل يحق للشركة المتضررة مقاضاة الشركة المطوّرة؟
تقول الدكتورة جيهان: "نعم، يحق لها من حيث المبدأ، بشرط إثبات علاقة قانونية واضحة بين الخطأ والضرر. وتوضح أن الحجة القانونية أمام الشركة المتضررة إثبات أنها تكبدت أضراراً فعلية نتيجة هذا الإهمال، مثل تدمير بيانات، خسائر مالية، وانتهاك للخصوصية أو السرية. ويمكن أن تستند الدعوى إلى أن الشركات: لم تضع إجراءات حماية كافية لمنع وصول الذكاء الاصطناعي إلى الإنترنت، لم تقيد الأنظمة التي يمكن للنماذج استهدافها، ولم تراقب بشكل مناسب تصرفات الوكلاء الذكيين.
وأشارت إلى أن مسؤولية المطور قد تتأثر إذا ثبت وجود تقصير من جانب المستخدم النهائي أو ضعف في منظومة الأمن السيبراني، لدى الشركة المتضررة، وقتها قد تنتقل المسؤولية كلياً أو جزئياً إليها وفقاً لمبدأ "الخطأ المشترك".
سؤال: ماذا يقول القانون الدولي؟ وهل توجد نصوص دولية يمكن الاستناد إليها؟
يقول الدكتور مجيد: "لا يوجد قانون دولي في شكل اتفاقية دولية تقنن الذكاء الاصطناعي، وهذا أمر تعتبره معظم الدول ضرورياً في المرحلة المقبلة". وتتفق معه الدكتورة جيهان مشيرة إلى أن الدول تعتمد راهناً على مجموعة أطر قانونية قائمة من بينها المسؤولية التقصيرية والعقدية، تشريعات الجرائم الإلكترونية، حماية البيانات، أنظمة الأمن السيبراني، ومبادئ العناية الواجبة.
ويشير الدكتور مجيد إلى أن "الولايات المتحدة والصين لم تضعا حتى الآن إطاراً تنظيمياً صارماً وشاملاً للذكاء الاصطناعي، في ظل المنافسة التكنولوجية العالمية، ورغبة كل طرف في الحفاظ على تقدمه في هذا المجال". ويوضح أن الصين تمنح مساحة واسعة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مع قيود تنظيمية محدودة نسبياً، بينما تشهد الولايات المتحدة نقاشاً بين اتجاه يدعو إلى حرية الابتكار للحفاظ على التنافسية، وآخر يطالب بتشريعات تحمي الخصوصية والحقوق الفردية.
في المقابل، يتبنى الاتحاد الأوروبي نهجاً أكثر صرامة من خلال قانون الذكاء الاصطناعي "AI Act" الذي صدر في 2024 وبدأ تطبيقه بشكل تدريجي، حيث يفرض حماية الخصوصية والشفافية في تمييز المحتوى المصنوع تقنياً، وعقوبات مالية على المخالفين، وفق الدكتور مجيد
وبدأ الاتحاد الأوروبي منذ 2 أغسطس (آب) 2026 تطبيق قواعد جديدة تتعلق بتنظيم الذكاء الاصطناعي، عبر فرض غرامات تصل لـ35 مليون يورو أو 7% من الإيرادات العالمية للشركات في حالات الممارسات المحظورة، وإلى 15 مليون يورو أو 3% في مخالفات أخرى. كما يلزم أي شركة عالمية تُصنّع الذكاء الاصطناعي بالامتثال للشروط عند تعاملها داخل الأسواق الأوروبية". ويرى مجيد أن "هذه التشديدات الأوروبية تدفع الشركات العالمية إلى تبني معايير الحماية الأوروبية وتطبيقها في بقية دول العالم، مما ينعكس إيجاباً على حماية حقوق جميع المستخدمين عالمياً".
سؤال: هل هناك دعوات لتعديل القانون الدولي؟
وفق الدكتورة جيهان، تشهد الأوساط الدولية دعوات متزايدة لتطوير القانون لمواكبة مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي، عبر الانتقال من تنظيم التكنولوجيا إلى مرحلة تنظيم المسؤولية عنها. وتشمل المقترحات المطروحة، تدشين نظام قانوني خاص بمسؤولية الأنظمة المستقلة، وإلزام الشركات المطورة بإجراء تقييمات مسبقة للمخاطر، والتأمين ضد الأضرار واسعة النطاق، وإنشاء آليات لتعويض المتضررين، إضافة إلى فرض الإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي وإنشاء سجلات دولية لها، وتطوير قواعد قانونية تساعد في تحديد المسؤولية في ظل تعقيد عمل هذه الأنظمة.
من جانبه، يؤكد الدكتور مجيد أن "التنظيم الذاتي للشركات لا يعفيها من الالتزام بالمبادئ العامة للقوانين الفيدرالية والدولية" مشيراً إلى أن الأطراف المتضررة ليست ملزمة بالقواعد الداخلية التي تضعها الشركات لنفسها. وأضاف أن قواعد القانون الدولي الإنساني والاقتصادي والمالي توفر أطراً قانونية يمكن الاستناد إليها لملاحقة الشركات قضائياً عند وقوع اعتداءات إلكترونية أو انتهاك للبيانات، بغض النظر عن مقر تلك الشركات جغرافياً".
ولا تزال المسؤولية القانونية عن اختراقات الذكاء الاصطناعي في منطقة رمادية، وقد تحددها أول دعوى قضائية من هذا النوع. وبينما يرى خبراء أن المسؤولية الأخلاقية تقع على إدارات الشركات، يبقى الحسم القانوني مرهوناً بما ستقرره المحاكم مستقبلاً.