لم تكتف الصين خلال الأشهر الأخيرة بشراء المزيد من الذهب، لكن يبدو أنها تعمل على إعادة ترتيب المكان الذي تحتفظ فيه بجزء من احتياطياتها، إذ تنقل سبائك من خزائن لندن، أكبر مراكز المعدن النفيس عالمياً، إلى هونغ كونغ التي تسعى إلى بناء سوق متكاملة للتخزين والمقاصة والتسليم.

الصين تنقل جزءاً من احتياطياتها من لندن.. وهونغ كونغ تستهدف خزائن تتجاوز 2000 طن
خبير أسواق ذهب لـ"24": الغرب يحتفظ بالتسعير والسيولة.. والشرق يتقدم في الذهب الفعلي

الخطوة الصينية ليست مجرد تغيير في موقع التخزين، لأن المركز الذي يستضيف الذهب ويوفر له السيولة والعقود وآليات التسوية يقترب أكثر من التأثير في سعره، ومن هنا يتسع السؤال: "هل تمهد التحركات الصينية لانتقال تدريجي في مركز ثقل السوق إلى آسيا، أم تظل لندن ونيويورك صاحبتَي اليد العليا في التسعير العالمي؟".

وزاد بنك الشعب الصيني مخزونه في هونغ كونغ خلال الأشهر الماضية، في امتداد لمسار نقل جزء من احتياطياته من لندن، وسط توقعات باستمرار العملية، ولم يعلق البنك أو إدارة النقد الأجنبي الصينية على المعلومات المنشورة.

تلك التحركات تتزامن مع تسارع مشتريات بكين، إذ أضاف البنك المركزي الصيني نحو 20 طناً في يوليو (تموز)، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ليرتفع احتياطيه إلى 76.08 مليون أوقية، تعادل نحو 2367 طناً بقيمة تتجاوز 306 مليارات دولار، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

بنية سوق جديدة

أطلقت هونغ كونغ نظاماً مركزياً لمقاصة وتسوية الذهب، وبدأت خدمة "Delivery Connect" مع بورصة شنغهاي، بهدف تسهيل نقل المعدن فعلياً بين السوق الصينية والمركز الخارجي.

كما أعادت تشغيل العقود الآجلة المقومة بالدولار، وتدرس عقوداً باليوان، بينما تستهدف رفع طاقة التخزين من أقل من 200 طن إلى أكثر من 2000 طن بحلول 2030، بحسب "رويترز".

وتراهن هونغ كونغ على قربها من أكبر أسواق الاستهلاك، إذ تستحوذ آسيا على نحو 60% من الطلب العالمي على المجوهرات الذهبية. كما تمتلك المدينة سوقاً خارجية لليوان بحجم 1.1 تريليون يوان، ما يوفر قاعدة لتوسيع تداول الذهب وتسويته بالعملة الصينية.

تحول لا انتقال

يقول سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة" لتداول الذهب والمجوهرات، لـ"24"، إن التطورات تعكس تحولاً مهماً في بنية السوق، لكنها لا تعني انتقالاً فورياً لمركز التسعير من الغرب إلى الشرق.

ويوضح أن هناك فارقاً بين امتلاك الذهب وتخزينه وتسليمه فعلياً، وبين امتلاك السيولة والأدوات التي تحدد السعر، مؤكداً أن لندن ونيويورك لا تزالان تتمتعان بعمق كبير في التداول والمشتقات والمقاصة.

وتحتفظ خزائن لندن بنحو 9464 طناً من الذهب، وتجري مقاصة لنحو 16 مليون أوقية يومياً، بينما تتداول عقود الذهب الرئيسية في نيويورك ما يعادل نحو 27 مليون أوقية يومياً، وفق بيانات رابطة سوق السبائك في لندن ومجموعة "CME".

ويرى إمبابي أن زيادة الذهب المخزن في هونغ كونغ وربطها بالأسواق الصينية يبنيان تدريجياً قدرة آسيا على التأثير، مضيفاً: "لا نتحدث عن انتقال مفاجئ لمركز السوق، وإنما عن تحول تدريجي في توازن القوى".

اليوان لا يكفي

وبحسب إمبابي، تحتاج هونغ كونغ إلى سيولة ضخمة وتداول عالمي على مدار الساعة، إلى جانب مشاركة البنوك المركزية والمؤسسات وصناديق الاستثمار، وبنية موثوقة للمقاصة والتسليم.

وأكد أن التسوية باليوان قد تمنح العملة الصينية دوراً أكبر، لكنها لن تنهي وحدها هيمنة الدولار، ورجح أن يقود التحول إلى مراكز قوة متعددة، تحتفظ فيها لندن ونيويورك بالتسعير المالي، بينما تتقدم شنغهاي وهونغ كونغ في التخزين والتسليم والتجارة الفعلية.