في زمن تتغير فيه لغة التواصل بسرعة، وتتسع فيه مساحة استخدام اللغة الإنجليزية بين الأجيال الجديدة، تكتسب المفردات الإماراتية أهمية خاصة بوصفها جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية، وبالنسبة إلى الكاتبة والمنتجة الإماراتية منى الظاهري، لا تمثل هذه المفردات مجرد كلمات متوارثة، بل تختزن ذاكرة اجتماعية كاملة: عادات وتقاليد وتفاصيل عن المكان والأجداد والحياة التي تشكلت منها الهوية الإماراتية.

ومن شغفها بالمفردة الإماراتية، بدأت الظاهري بناء مشروعها الإبداعي، الذي أخذها من توثيق اللهجة والتراث عبر المحتوى الرقمي والدراما، إلى صناعة الأعمال وإنتاجها، وصولاً إلى السينما، حاملةً معها هاجساً واحداً: أن تبقى الحكاية الإماراتية حاضرة بلغة تصل إلى الجيل الجديد.

وتكشف الظاهري لـ"24" تفاصيل هذه الرحلة، ورؤيتها لدور المحتوى في حماية الهوية الإماراتية، وإعادة تقديمها بأساليب معاصرة.

وعلى مدى نحو 10 سنوات، تنقلت بين الكتابة والإنتاج وصناعة المحتوى، مؤمنة بأن حماية الهوية لا تعني إبقاءها في إطار التوثيق، وإنما إعادة تقديمها بما يجعلها قريبة من الجيل الجديد وقابلة للانتقال إلى المستقبل.

اللهجة.. ذاكرة اجتماعية

تقول الظاهري إن ارتباطها باللهجة الإماراتية يتجاوز الاهتمام بالمفردات إلى ما تختزنه من تاريخ اجتماعي، موضحة: "أؤمن أن اللهجة لأي قوم هي أفضل ناقل للذاكرة الاجتماعية والعادات والتقاليد، ولذلك نحن بحاجة إلى نقلها للأجيال بالأساليب الأقرب إليهم، مثل استخدام التطبيقات والبرامج الإلكترونية لنشر اللهجة".

وترى أن اللهجة الإماراتية تمثل أحد أقوى التعبيرات عن الهوية والارتباط بالأرض والأجداد الذين عمروا هذه الأرض، ما دفعها إلى البحث عن طرق تصل من خلالها هذه الهوية إلى أكبر عدد ممكن من المهتمين.

وتقول: "لا أعتبر نفسي مجرد صانعة محتوى وكاتبة دراما ومعدة برامج، بل صاحبة رؤية تسخر الإعلام لحماية التراث ونقله إلى الجيل الجديد بلغة معاصرة".

وخلال تجربتها مع المحتوى الرقمي، لاحظت نقصاً في المحتوى المحلي المتخصص، إلى جانب تراجع معرفة بعض أفراد الجيل الجديد بالمصطلحات الإماراتية المحلية، نتيجة الاستخدام المتزايد للغة الإنجليزية وانتشار اللهجة البيضاء بين الشباب.

وتوضح: "أسعى من خلال المحتوى إلى حماية اللهجة الإماراتية، فهي هويتنا، وكانت منصات التواصل الاجتماعي الخيار الأفضل للتوجه إلى فئة الشباب، ولذلك اخترت المحتوى الذي يرتبط بالحياة اليومية والمصطلحات التي قد تكون غريبة وغير مستخدمة".

من المفردة إلى الحكاية

علاقة الظاهري بالهوية لم تتوقف عند المحتوى الرقمي، إذ وجدت في الدراما مساحة أوسع، لتحويل التفاصيل المحلية إلى حكايات تصل إلى جمهور أكبر.

بدأت تجربتها الكتابية في عدد من البرامج، من بينها "المفتش فصيح"، كما كتبت مسلسل "الباء تحتها نقطة"، الذي عرض خلال شهر رمضان على شاشة قناة الإمارات، وتناول فترة السبعينات وتعليم كبار السن.

وفي أعمالها التي تحمل تفاصيل إماراتية من لغة ولهجة وعادات وتقاليد، تحرص الظاهري على أن تبقى الهوية حاضرة، دون أن يتحول حضورها إلى قيد يحد من انتشار العمل.

وتقول: "أحرص في كل عمل أن يكون أصيلاً، ويعبر عن الإمارات بأفضل صورة، دون إهمال استخدام الأساليب الحديثة للوصول إلى الجمهور".

وترى أن القصص التي يمكن أن تقدمها الإمارات عبر الدراما والسينما لا تزال واسعة، وتقول: "ما زال في الإمارات وثقافتها وتاريخها الكثير من القصص التي بحاجة إلى أن تروى للمتلقي المحلي والعالمي عن طريق الدراما والسينما".

من الكتابة إلى صناعة العمل

ومع انتقالها من الكتابة إلى الإنتاج، اتسعت مساحة حضور الظاهري في صناعة العمل الفني، لكنها في المقابل، حمّلتها مسؤولية أكبر.

وتقول إن الانتقال إلى الإنتاج منحها "فرصة للمساهمة في صناعة السينما والدراما الإماراتية التي نقدمها للأجيال القادمة بكل حب، ليحملوا الراية من بعدنا"، معتبرة أن البيئة الإماراتية اليوم توفر فرصاً أكبر، مع الدعم الذي تقدمه الجهات الرسمية لصناعة المحتوى المحلي.

إلى السينما.. قصة جديدة

وبعد سنوات من العمل في الكتابة والإنتاج وصناعة المحتوى، تقترب الظاهري من محطة جديدة في تجربتها عبر فيلمها الروائي "عمتي صفية".

يحمل الفيلم رسالة اجتماعية وإنسانية تتناول الجوانب النفسية والعاطفية في العلاقات الإنسانية.

وترى الظاهري أن الفيلم يأتي امتداداً لرؤيتها في تقديم محتوى سينمائي إماراتي يجمع بين البعد الفني والرسالة المجتمعية، إلى جانب دعم المواهب المحلية في مختلف تخصصات صناعة الأفلام.

وتقول إن "عمتي صفية" يمثل "خطوة جديدة نحو تنويع المشهد السينمائي الإماراتي"، من خلال عمل يحمل رؤية نسائية ويطرح قضية اجتماعية معاصرة بلغة سينمائية تسهم في تعزيز الوعي وفتح حوار حول العلاقات الإنسانية وتأثيراتها النفسية.

كما يعكس الفيلم، بحسب الظاهري، توجهاً لدعم المواهب المحلية وتمكينها، بما يعزز حضور السينما الإماراتية ويمنحها أصواتاً جديدة تحمل أفكاراً ورسائل ذات أثر مجتمعي.

العين.. مساحة للتجربة

وستبدأ الظاهري تصوير فيلمها في مدينة العين نهاية أغسطس(آب) الجاري، مستعينة بفريق فني متخصص لتقديم عمل يرتقي إلى المعايير السينمائية الحديثة، ويعكس التطور الذي تشهده صناعة الأفلام في دولة الإمارات.

ولا تتعامل مع التجربة باعتبارها إنتاج فيلم فحسب، بل تراها مساحة لتطوير الكفاءات والمواهب الإماراتية في قطاع صناعة الأفلام.

واختارت مجموعة من الممثلين الشباب للمشاركة في البطولة، بينهم مواري عبدالله، وهيا القايد، ومحمد إسحاق، وباسل التميمي، ومحمود رمضان، كما فتحت المجال أمام الشباب المهتمين بالإخراج والإنتاج لحضور مراحل التصوير والتعرف عن قرب إلى تفاصيل العمل السينمائي، بهدف اكتساب الخبرة الميدانية وصقل مهاراتهم في بيئة إنتاج احترافية.

جيلان يصنعان المشهد

وتؤمن الظاهري بأن بناء صناعة محتوى إماراتية أكثر رسوخاً يحتاج إلى تلاقي الخبرات، لذلك حرصت خلال تجربتها على العمل مع أسماء من الرعيل الأول إلى جانب المواهب الشابة.

وتقول: "تشرفت بالعمل مع مجموعة من الممثلين الإماراتيين القديرين مثل الفنان جابر نغموش وموسى البقيشي وفاطمة الحوسني وهدى الخطيب، وفي الوقت نفسه حرصت على العمل مع فريق من المبدعين الشباب الذين أظهروا إمكانيات عالية في التمثيل".

وترى أن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً أكبر للعمل المشترك، واكتشاف مواهب جديدة من الفنانين والعاملين في مجال الإنتاج الفني وصناعة المحتوى، خصوصاً مع وجود جامعات محلية تخرج سنوياً أعداداً من المتخصصين في الإعلام والفنون الجميلة.

 الحكاية في ذاكرة الأبناء

وتختتم الظاهري حديثها بالتأكيد على أن وصول المحتوى الإماراتي إلى جمهور أوسع، لا يعني التخلي عن رسالته الثقافية، بل أن الحفاظ على خصوصية الهوية، يمكن أن يتكامل مع تقديمها بأدوات معاصرة تضمن حضورها واستمرارها، معربة عن أملها في أن يجد المشاهد في هذه الأعمال شيئاً من ذاكرته وحياته، وأن تبقى حاضرة في ذاكرة أبنائه وأحفاده.