تتفاقم الضغوط على سوق النحاس مع تزايد الطلب على الإمدادات الفورية، في وقت يكشف اتساع الفارق السعري بين العقود عن سباق للحصول على الإنتاج المُتاح حالياً، دافعاً الفارق إلى مستوى لم يُسجل منذ أزمة المعروض التاريخية في عام 2021.
تأتي أزمة المعروض جراء الطلب العالمي المتزايد على النحاس لاستخداماته الأساسية في "شبكات الكهرباء"، و"مراكز البيانات"، و"السيارات الكهربائية"، و"الطاقة المتجددة"، و"البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي".
في بورصة لندن للمعادن، ترتفع أسعار النحاس الفورية فوق أسعار العقود الآجلة ذات التواريخ اللاحقة في حالة تُعرف باسم "التراجع"، وهي سمة مميزة لتفاقم الضغط على العرض.
في هذا السياق، ارتفع سعر العقد الرئيسي للتسليم في سبتمبر (أيلول) عن 260 دولاراً مقارنة بالعقود الآجلة لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أكبر فارق شهري لم يُسجل منذ 5 سنوات، وقد دفع ذلك بورصة لندن للمعادن إلى اتخاذ تدابير طارئة تهدف إلى احتواء الارتفاع الجامح في أسعار السوق الفورية.

ويكشف تقرير لشركة " أنتوفاغاستا بي إل سي" المُدرجة في بورصة لندن، أن اضطرابات الإنتاج تضغط على المعروض؛ إذ خفضت الشركة توقعاتها لإنتاج النحاس في 2026 إلى 625 - 655 ألف طن، مقابل 650 - 700 ألف طن سابقاً، بعد توقف منجم "Los Pelambres" بسبب الأمطار الغزيرة في تشيلي.
وفي نيويورك ارتفعت أسعار العقود الآجلة إلى مستوى قياسي غير مسبوق، مدفوعةً بتكهنات مستمرة حول فرض رسوم استيراد أمريكية محتملة، ما ساهم في استمرار تدفق شحنات المعادن إلى البلاد، حتى مع استمرار تدهور أوضاع الإمداد خارج الحدود الأمريكية.
وبلغ سعر عقد سبتمبر (أيلول) في نيويورك 6.7045 دولاراً للرطل في بورصة كومكس (COMEX)، متجاوزاً بذلك الرقم القياسي السابق البالغ 6.69 دولاراً والذي سُجّل في منتصف مايو (أيار) الماضي.
اختلال هيكلي بين العرض والطلب
الأمر لا يتعلق فقط بارتفاع سعر النحاس، وإنما بوجود اختلال هيكلي بين العرض والطلب، فإمدادات المناجم الجديدة تحتاج سنوات حتى تدخل الإنتاج، بينما يتزايد استهلاك النحاس نتيجة الاستثمار في الكهرباء، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي.
كما أن السوق لا يعاني بالضرورة من نقص عالمي مطلق في كل طن من النحاس، وإنما من نقص في النحاس المتاح في الأماكن والأوقات التي يحتاجه فيها المشترون، وهذا ما يجعل تحركات فروق الأسعار مؤشراً مهماً على حالة السوق.

ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
استمرار اتساع الفارق السعري قد يكون علامة على تحول أزمة النحاس لتصبح أكثر حدة، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار، والأهم أن استمرار هذا الوضع قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع انخفاض المخزونات أو اضطرابات في المناجم أو زيادة الطلب في قطاعات الذكاء الاصطناعي والكهرباء.

فيما تشير بيانات حديثة للأسعار، صادرة 14 أغسطس (آب)، إلى تداول النحاس قرب 6.58 دولار للرطل، بعد تسجيل مستوى قياسي بلغ 6.83 دولار خلال أغسطس (آب) الجاري، مع ارتفاع النحاس بنحو 47% على أساس سنوي.
ومع ذلك، تستمر المخاوف بشأن تقلص الإمدادات في دعم الأسعار وسط توقعات بانخفاض إنتاج المناجم العالمية، إذ تشير التقارير إلى أن شركة "كوديلكو"، وهي شركة تعدين مملوكة لدولة تشيلي، تتوقع انخفاض إنتاج النحاس هذا العام نظراً للعقبات التي تواجهها في مناجمها ومشاريعها التطويرية.
كما تخلت الشركة عن هدفها السابق المتمثل في إنتاج 1.34 مليون طن متري في 2026، مقارنةً بإنتاج العام الماضي المعدل البالغ 1.307 مليون طن، فيما يظل التجار حذرين بشأن الرسوم الجمركية الأمريكية المحتملة على واردات النحاس، والتي استمرت في تحويل المعدن بعيداً عن الأسواق الدولية إلى المستودعات الأمريكية.