تضطلع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بتطوير ذكاء اصطناعي أكثر فهماً للثقافة العربية وتنوعها اللغوي.
وفي إنجاز بحثي رائد، طور باحثون في الجامعة أول معيار مرجعي لقياس قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم الثقافة العربية والتفاعل معها عبر 13 لهجة محلية، كاشفين عن فجوة بين قدرة النماذج على فهم ما يقوله العرب، وقدرتها على التحدث كما يتحدثون في حياتهم اليومية.
وعندما يطلب من أحد نماذج الذكاء الاصطناعي وصف حفل زفاف إماراتي، يستطيع غالباً تقديم تفاصيل دقيقة عن العادات والتقاليد والملابس، وصولاً إلى عبارات التهنئة المناسبة لمباركة أهل العروسين.
من المدرسة إلى سوق العمل.. الإمارات تبني مهارات الاقتصاد الرقمي - موقع 24تتصدر الإمارات دول العالم في مهارات التكنولوجيا المالية، وتحل ثانية في استقطاب مواهب الذكاء الاصطناعي قياساً إلى عدد السكان، وفق تقرير "البيانات الاقتصادية لدولة الإمارات 2026"، الذي أعدته "لينكدإن" بالشراكة مع وزارة التجارة الخارجية، بالتوازي مع موقع متقدم في تدفقات المواهب ...
لكن ما إن يُطلب منه صياغة العبارة بالطريقة التي يقولها أهل الإمارات في حياتهم اليومية، حتى تتراجع تلك الطلاقة والانسيابية والإلمام الثقافي الذي أظهره النموذج في البداية.
وهذه المفارقة كانت محور دراسة بحثية جديدة من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، كشفت أن النماذج اللغوية الكبيرة قد تمتلك معرفة بالثقافة العربية، لكنها لا تزال تواجه تحدياً في التعبير عنها بصوت أهلها ولهجاتهم المحلية.
ويرى الباحثان الرئيسيان في الدراسة، البروفيسور فجري كوتو، الأستاذ المساعد في قسم معالجة اللغة الطبيعية، ومحمد ديهان، الباحث في القسم ذاته، أن سد هذه الفجوة يمهد للمرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي الناطق بالعربية، بحيث لا يكتفي بفهم اللغة، وإنما يستوعب أيضاً خصوصيات استخدامها في المجتمعات العربية المختلفة.
ويؤكد محمد ديهان "اللغة العربية توحد أكثر من 400 مليون متحدث حول العالم، إلا أن أحد أبرز التحديات في تطوير الذكاء الاصطناعي يتمثل في أن النماذج تدرب بصورة شبه حصرية على العربية الفصحى الحديثة، ولذلك قد تبدو طليقة وقادرة في الاختبارات، من دون أن تكون قد اختبرت بصورة كافية في محادثات طبيعية باللهجات المختلفة في الدول العربية، مع الالتزام بدقة تفاصيل الثقافية المحلية".
ولمعالجة هذه الثغرة، طور الباحثون معيار "ArabCulture-Dialogue"، الذي وصفوه بأنه أول معيار مرجعي لاختبار الاستدلال الثقافي باللغة العربية ضمن حوارات متعددة الجولات، بالعربية الفصحى الحديثة، و13 لهجة محلية من دول عربية مختلفة.
ولضمان دقة المعيار وارتباطه بالاستخدام الحقيقي للغة، استعان الفريق بـ26 ناطقاً أصلياً بالعربية، بواقع متحدثين اثنين من كل دولة من 13 دولة عربية، ممن أمضى كل واحد منهم عشرة أعوام على الأقل في بلده.
وانطلق المشاركون من مواقف مستمدة من بيئاتهم الثقافية، ووسعوها إلى حوارات قصيرة متبادلة، ثم صاغ كل منهم الحوار بلهجته المحلية.
وغطت مجموعة الحوارات 12 موضوعاً من الحياة اليومية، بدءاً من حفلات الزفاف والطعام، وصولاً إلى تربية الأطفال والزراعة والفنون والألعاب.
ويقول البروفيسور فجري كوتو: "الباحثون اختبروا النماذج من خلال ثلاث مهام رئيسية، شملت اختيار الرد الأنسب ثقافياً من بين عدة خيارات، والترجمة بين العربية الفصحى الحديثة ولهجة محددة في الاتجاهين، إلى جانب مواصلة الحوار باللهجة المطلوبة".
وتظهر النتائج أن النماذج الأقوى تمتلك قدرة كبيرة على تمييز الرد المناسب ثقافياً، إذ سجلت نتائج قاربت 95% حتى عند انتقال الحوار من العربية الفصحى إلى اللهجة المحددة، غير أن أداءها انخفض بشكل حاد عندما انتقلت المهمة من فهم اللهجة إلى إنتاجها، سواء عند ترجمة جملة إلى اللهجة الإماراتية أو عند مواصلة حوار بها.
وتكشف هذه النتائج عن فجوة دقيقة في تطوير الذكاء الاصطناعي، فالمشكلة لا تكمن دائماً في فهم المعنى، وإنما في القدرة على الحفاظ على هوية اللهجة وخصوصيتها الثقافية.
وتُظهر الدراسة أن نماذج الذكاء الاصطناعي كانت أفضل في فهم العادات المشتركة في العالم العربي، لكنها واجهت صعوبة أكبر في التعامل مع الخصوصيات الثقافية لكل دولة، وكانت لهجات شمال أفريقيا من الأصعب، فيما جاءت اللهجة الإماراتية بين الأكثر تحدياً.
ولم تنتج النماذج اللهجة المستهدفة إلا في نحو نصف الحالات، وكانت أفضل في تحويل اللهجات إلى الفصحى، بينما واجهت صعوبة أكبر في إنتاج نبرة محلية أصيلة.