ظلّت الذاكرة البحرية تحتفظ بسفن الشحن الجاف وهي تشق عباب المياه محمّلة بالحديد والفحم والحبوب؛ ركائز الاقتصاد التقليدي، إلى أن أتت السيارات الكهربائية وثورة الطاقة المتجددة فبدّلت وجوه البضائع، وأصبحت تتزاحم بين شحنات السفن خامات جديدة تواكب هذا التحول، في مقدمتها الليثيوم والبوكسيت.
يُقصد بالشحن الجاف نقل السلع الصلبة السائبة بكميات كبيرة، من دون تعبئتها في حاويات، مثل خام الحديد والفحم والحبوب والأسمدة، عبر سفن مخصصة لهذا النوع من البضائع.
وتعطي أرقام السوق لمحة عن حجم هذا النشاط، حيث بلغت قيمة سوق الشحن الجاف العالمي 148.1 مليار دولار في 2025، بحسب بيانات مؤسسة Grand View Research.
ومن المتوقع أن ترتفع إلى 157.3 مليار دولار خلال 2026، ثم إلى 266.7 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب 7.8% بين 2026 و2033.
ماذا تحمل الشحنات حالياً؟
يتصدّر خام الحديد هذه التجارة باستحواذه على 34% من السوق في 2025، نتيجة الطلب المستمر على الصلب وحركة التجارة الكبيرة بين مناطق التعدين في أستراليا والبرازيل والمصانع الآسيوية.
أما الفحم، فعلى الرغم من التوقعات بتراجع الطلب عليه على المدى البعيد مع توسع مصادر الطاقة النظيفة، فإنه لا يزال من السلع الرئيسية التي تنقلها سفن الشحن الجاف، خصوصاً في آسيا، مع استمرار اعتماد الصين والهند على وارداته لتوليد الكهرباء وصناعة الصلب.

في الوقت ذاته، برز الإسبودومين، أحد أهم خامات الليثيوم، كسلعة تشهد نمواً في حركة التجارة البحرية، حيث ارتفع حجم التجارة العالمية منه من 3 ملايين طن في 2015 إلى 6.8 مليون طن بنهاية 2025.
ولا تصل هذه الخامات إلى مصانع البطاريات في صورة منتجات نهائية، وإنما تبدأ رحلتها من المناجم، وتقطع مسافات طويلة في صورة شحنات سائبة، لتجد مكاناً طبيعياً لها في سوق الشحن الجاف.
الطلب يبدأ من البطاريات
ويرتبط جزء مهم من هذا النمو بالتوسع في استخدام البطاريات، سواء في السيارات الكهربائية أو في أنظمة تخزين الكهرباء المرتبطة بمشروعات الطاقة المتجددة.
ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في الصين، حيث تمتد كهربة النقل إلى الحافلات والشاحنات، وهي مركبات تستهلك كميات أكبر من البطاريات مقارنة بالسيارات الخاصة. ومن ثمّ، فإن تباطؤ نمو مبيعات السيارات في بعض الأسواق لا يعني بالضرورة تراجع الطلب على المواد الخام اللازمة لصناعة البطاريات.
ووفق تقرير Grand View Research، تضع زيادة استهلاك البطاريات سلاسل توريد الخامات أمام ضغوط أكبر، حيث تبدأ رحلة هذه المواد من المناجم وتنتهي في مصانع متباعدة جغرافياً، مروراً بمراحل المعالجة والتصنيع.
وكلما زادت الحاجة إلى هذه الخامات، احتاج نقلها بين مناطق الإنتاج ومراكز التصنيع إلى رحلات بحرية أكثر.

أي سفن تحمل الخامات؟
بالتزامن مع زيادة كميات البضائع يتغير معها أيضاً نوع السفن التي تحملها، حيث تناسب شحنات خامات الليثيوم سفن Handysize وSupramax بصورة خاصة، نظراً إلى أحجام الشحنات وطبيعة الموانئ التي تتعامل معها، بينما تلائم سفن Panamax الرحلات الأطول والأحجام الأكبر.
وفي تجارة الإسبودومين خلال 2025، استحوذت سفن Panamax على 46% من الشحنات، مقابل 34% لسفن Supramax و20% لسفن Handysize.
ومع استمرار نمو تجارة هذه الخامات قد تجد السفن الصغيرة والمتوسطة نفسها أمام مصدر جديد للطلب، في وقت تتغير فيه خريطة البضائع التي تتحرك بين الموانئ العالمية.

خامة أخرى تستفيد
ومثلما يدفع الطلب على البطاريات تجارة الإسبودومين، يدعم الطلب المتزايد على الألومنيوم تجارة البوكسيت، خام الألومنيوم الأساسي، الذي يُتوقع أن يسجل نمواً سريعاً بين خامات الشحن الجاف، نظراً لاستخدام الألومنيوم في السيارات والطائرات ومشروعات الطاقة المتجددة والتعبئة وشبكات الكهرباء.
ووفق هذه المؤشرات، تتغير تجارة الشحن الجاف من دون أن تتخلى عن بضائعها القديمة، حيث يظلّ خام الحديد والفحم جزءاً أساسياً من حركة السفن، لكن إلى جوارها تظهر خامات ترتبط باقتصاد جديد تقوده البطاريات وتخزين الكهرباء والطاقة النظيفة.