تتجه صناعة الموسيقى إلى مرحلة جديدة من المنافسة مع تزايد انتشار الفنانين الافتراضيين والأغاني المولدة بالذكاء الاصطناعي على منصات البث، في تحول لا يقتصر على شكل الإنتاج، بل يمتد إلى اقتصاد الصناعة وتوزيع الإيرادات والمنافسة على الاستماعات وحقوق الفنانين.
فإعلان سبوتيفاي وضع علامة "AI Persona" على هويات الفنانين المصنوعة بالذكاء الاصطناعي والحد من ظهورها في التوصيات، أعاد النقاش حول من سيربح اقتصادياً عندما يصبح إنتاج الموسيقى أسرع وأرخص وعلى نطاق أكبر.
ويأتي ذلك في سوق بلغت فيه إيرادات الموسيقى المسجلة عالمياً 31.7 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 6.4 بالمئة، وفق الاتحاد الدولي لصناعة التسجيلات الصوتية (IFPI). وبلغت إيرادات البث نحو 22 مليار دولار.
آلاف الأغاني يومياً
وتكشف أرقام منصة ديزر الفرنسية لبث الموسيقى، وهي إحدى منصات الاستماع الرقمي المشابهة لسبوتيفاي، سرعة نمو المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت المنصة أنها تستقبل نحو 75 ألف أغنية مولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي يومياً، بما يعادل نحو 44 بالمئة من إجمالي الأعمال المرفوعة يومياً.
وفي يونيو (حزيران)، ارتفع العدد إلى متوسط بلغ نحو 90 ألف أغنية مولّدة بالذكاء الاصطناعي يومياً، فيما تجاوزت حصتها 50 بالمئة من إجمالي الموسيقى الجديدة المرفوعة في أوقات الذروة، وفق بيانات أعلنتها "ديزر".
لكن حجم الإنتاج لا ينعكس حتى الآن بالنسبة نفسها على الاستماع. وتقول "ديزر" إن هذه الموسيقى لا تمثل سوى ما بين 1 و3 بالمئة من إجمالي الاستماعات على منصتها.
وتستبعد المنصة الأعمال التي ترصدها على أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي من توصياتها الخوارزمية وقوائمها التحريرية، ما يقلل قدرتها على الوصول تلقائياً إلى مستمعين جدد.
85 بالمئة من الاستماعات احتيالية
وتكشف بيانات "ديزر" جانباً اقتصادياً آخر للمشكلة. فالمنصة تقول إن ما يصل إلى 85 بالمئة من الاستماعات للأعمال المولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي خلال 2025 صُنفت على أنها "احتيالية"، ولذلك لم تحتسبها ضمن العائدات المدفوعة.
وللمقارنة، بلغت الاستماعات الاحتيالية نحو 8 بالمئة فقط من إجمالي الاستماعات في كامل مكتبة "ديزر" خلال الفترة نفسها. وهذه الأرقام تضع الذكاء الاصطناعي في قلب النقاش حول توزيع أموال البث، وليس فقط حول طريقة إنتاج الأغاني.
دراسة تحذر من خسارة 10 مليارات يورو
وقدرت دراسة أعدتها شركة PMP Strategy بتكليف من الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين (CISAC) أن 24 بالمئة من إيرادات مبدعي الموسيقى قد تصبح معرضة للخطر بحلول 2028 في ظل الظروف الحالية.
وتعادل الخسارة المحتملة نحو 4 مليارات يورو في 2028 وحده، ونحو 10 مليارات يورو بصورة تراكمية خلال خمس سنوات.
وفي الاتجاه المقابل، تتوقع الدراسة وصول القيمة السنوية للموسيقى المولّدة بالذكاء الاصطناعي إلى 16 مليار يورو في 2028، وأن تشكل نحو 20 بالمئة من إيرادات منصات البث الموسيقي.
كما تتوقع ارتفاع إيرادات خدمات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في إنتاج الموسيقى إلى 4 مليارات يورو سنوياً بحلول 2028.
أين تذهب أموال الموسيقى؟
وترى دراسة CISAC أن الخطر على المبدعين يأتي من مسارين: استخدام الأعمال المحمية بحقوق الملكية في نماذج الذكاء الاصطناعي دون تعويض أصحابها، ومنافسة المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي للأعمال البشرية على مصادر الإيرادات التقليدية.
ولهذا تطالب CISAC بأن يكون للمبدعين حق ترخيص استخدام أعمالهم في أنظمة الذكاء الاصطناعي والحصول على مقابل مالي، إلى جانب إلزام شركات الذكاء الاصطناعي بالشفافية بشأن استخدام الأعمال المحمية في تدريب نماذجها.
القيمة تنتقل من الإنتاج إلى الانتباه
التحول الأهم برأي غسان محمود مهندس الكمبيوتر والمتخصص في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج أغنية، وإنما في تغيير اقتصاد الندرة داخل الصناعة.
ويقول: "عندما يصبح بالإمكان إنتاج آلاف الأغاني بتكلفة منخفضة، تفقد عملية الإنتاج جزءاً من قيمتها الاقتصادية. لكن عدد ساعات الاستماع لدى الجمهور لا يزيد بالسرعة نفسها. لذلك تنتقل الندرة من إنتاج الموسيقى إلى القدرة على جذب انتباه المستمع".
ويضيف أن هذا التحول قد يمنح قيمة أكبر للمنصات والجهات التي تمتلك بيانات الجمهور وقنوات الوصول إليه. "إذا أصبحت تكلفة إنتاج عشر أغنيات أو مئة أغنية منخفضة جداً، تصبح الميزة التنافسية في معرفة أي أغنية يجب أن تصل إلى أي مستمع وفي أي وقت".
ويرى محمود أن المشكلة تصبح أعمق عندما تستخدم أعمال بشرية في تطوير أنظمة تنتج لاحقاً محتوى ينافس أصحاب تلك الأعمال. ويقول: "هنا لدينا مسألتان اقتصاديتان مختلفتان: تكلفة إنتاج تنخفض بفعل التكنولوجيا، وقيمة سابقة صنعها فنانون وكتاب وملحنون قد تدخل في بناء هذه التكنولوجيا. السؤال هو كيف يعاد توزيع القيمة بين صاحب العمل الأصلي وصاحب النموذج والمنصة".
وبحسب محمود، "ربما تصبح هوية الفنان وصوته وعلاقته بجمهوره أصولاً أكثر قيمة مع زيادة المحتوى الاصطناعي. فكلما أصبح إنتاج الموسيقى أسهل، أصبحت الثقة والهوية والقدرة على إثبات مصدر العمل أكثر ندرة. لذلك قد لا تنخفض قيمة الفنان البشري بالضرورة، لكن مصادر قيمته الاقتصادية قد تتغير".