في الأمراض النادرة، قد يكون الوصول إلى اسم المرض نصف المعركة؛ فسنوات من الفحوصات، وزيارة أطباء من تخصصات مختلفة، ونتائج تبدو أحياناً متعارضة، يمكن أن تترك المريض أمام سؤال واحد يتكرر كل مرة: ما الذي يحدث لي؟
يرفض الدكتور عادل جفال في تصريحات لـ"24"، أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى المصدر الأساسي للمعلومة الطبية؛ فالطبيب، في رأيه، يجب أن يبقى الطرف الذي يرى المريض ويتابعه، بينما يمكن استخدام التقنية كأداة مكملة للمتابعة أو للمساعدة في ترتيب المعلومات والدراسة.
يحذر طبيب الأورام من طريقة واحدة قد تزيد المشكلة بدلاً من حلها؛ وهي أن يواجه الطبيب المريض بالمعلومة التي جاء بها من الذكاء الاصطناعي بطريقة حادة أو يرفضها مباشرة؛ فقد يدفع ذلك المريض إلى التمسك برأي الأداة، ويؤثر في العلاقة مع الطبيب أو حتى في استمراره بالمتابعة داخل العيادة.
يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه المساحة بقدرته على تحليل الأعراض والفحوصات والصور الطبية بسرعة، وربطها باحتمالات مرضية قد لا تكون حاضرة في ذهن الطبيب من البداية.
وبالنسبة إلى مريض أمضى سنوات في البحث عن تشخيص، قد تمنحه هذه الاحتمالات اتجاهاً جديداً، لكن بالطبع تأكيد المرض يظل مرتبطاً بالطبيب والفحوص اللازمة.
ماذا فعل الذكاء الاصطناعي؟
في بوسطن، أعاد الباحثون فتح ملفات مرضى ظلت حالاتهم بلا تفسير، رغم الفحوص الجينية ومراجعات المتخصصين؛ وشملت الدراسة 376 حالة مرضية معقدة، بينها أطفال يعانون اضطرابات في النمو العصبي وأمراضاً عصبية عضلية، وحالات ذهان مبكر ووفاة أطفال مفاجئة.
وأعاد نموذج الذكاء الاصطناعي تحليل البيانات السريرية والجينية والبحث عن روابط بين الأعراض والتغيرات الجينية والمعلومات الطبية المتاحة، فقدم فرضيات جديدة راجعها الأطباء وأخضعوها لفحوص إضافية؛ وفي النهاية، تأكد تشخيص 18 حالة.
وتتكرر الفكرة في حالات أخرى رغم اختلاف الظروف؛ ففي "مايو كلينك"، وصل مريض يبلغ 77 عاماً وهو يعاني ضيق التنفس وشعوراً بثقل في الصدر.
اشتبه الفريق الطبي في فشل القلب، لكن أداة ذكاء اصطناعي حللت تخطيط قلبه وأشارت إلى احتمال بلغ 98% للإصابة بالداء النشواني القلبي، وهو مرض نادر وخطير؛ ثم قادت النتيجة إلى فحوص إضافية أكدت التشخيص.
قوة تشخيصية جديدة
يواجه الطبيب حالة واحدة أمامه، بينما تستطيع الخوارزمية البحث في عدد هائل من الحالات والبيانات الطبية في الوقت نفسه؛ وهذه الميزة تصبح ذات قيمة أكبر عندما يتعلق الأمر بمرض قد يراه الطبيب مرات قليلة طوال مسيرته.
فالآلة تستطيع الربط بين عرض ومعلومة في صورة طبية ونتيجة تحليل ومرجع بحثي، ثم تقديم مجموعة احتمالات خلال وقت قصير.
ويصف أطباء هذه القدرة بأنها مفيدة خصوصاً في الحالات التي يصعب فيها الوصول إلى المرض النادر من خلال الأعراض الشائعة وحدها.
لكن كثرة المعلومات تحمل مشكلة أخرى؛ فكل احتمال جديد قد يعني سؤالاً جديداً وفحصاً جديداً، وقد يخرج المريض من البحث عن إجابة إلى دائرة أكبر من القلق.
الطبيب يرى المريض
تبدو قدرة الذكاء الاصطناعي على جمع المعلومات والبحث بين الاحتمالات مغرية خصوصاً في الحالات المعقدة، لكن الدكتور عادل جفال، اختصاصي الأمراض الباطنية وزميل أمراض الأورام والدم في مركز الحسين للسرطان، يضع أمامها حدوداً واضحة تبدأ من طبيعة الطب نفسه.
ويوضح جفال لـ"24"، أن نتائج الفحوصات والصور قد لا تتطابق مع حالة المريض السريرية؛ فقد تظهر مشكلة بينما يكون بحالة جيدة، أو تبدو النتائج مطمئنة رغم تدهور حالته، وهنا يحدد الطبيب مدى الحاجة إلى تغيير العلاج بناءً على الصورة الكاملة.
وتظهر هذه المسألة، وفق الدكتور جفال، بصورة واضحة في طب الأورام، حيث يعتمد الطبيب المتابع أيضاً على تطور الحالة من زيارة إلى أخرى واستجابة المريض للعلاج وما إذا كان قد تحسن أو تراجع مع الوقت، لتحديد مدى الحاجة إلى تغيير الخطة العلاجية.
وهذه المتابعة المستمرة تحديداً هي النقطة التي يرى الطبيب أن الذكاء الاصطناعي يواجه صعوبة في الحكم عليها؛ فالأداة تتعامل مع الصور والفحوصات والمعلومات التي تُدخل إليها، بينما الطبيب يرى المريض ويتابع تطور حالته.
ماذا يحدث عندما يأتي المريض بتشخيص AI؟
هذا الواقع بدأ يظهر داخل العيادات أيضاً؛ حيث يقول الدكتور جفال إن المرضى أصبحوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي للسؤال عن نتائج الصور والفحوصات والعلاجات التي وصفها الطبيب، وبعضهم قد يعتمد على المعلومات التي يحصل عليها من الأداة أكثر من اعتماده على تعليمات الطبيب.
ويرى أن التعامل مع هذا الأمر يحتاج إلى قدر من الواقعية، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من حياة الناس، والأفضل توجيه استخدامه نحو ما يفيد المريض بدلاً من محاولة إبعاده عنه.
لذلك، يفضل الدكتور جفال تشجيع المرضى على استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن حدود منطقية، وبما يخدم مصلحة المريض والتشخيص وتحت إشراف الطبيب.