طُلب من المبرمج فاي تشاو جون من جانب مديره تقييم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً قريباً على إحلال البشر في وظائف البرمجة. وبعد أسبوعين فقط، وجد نفسه خارج العمل إلى جانب 160 من زملائه.
وبات هذا المشهد يتكرر بوتيرة متزايدة، في وقت يعيد فيه الذكاء الاصطناعي، مدعوماً بسياسات حكومية، تشكيل سوق العمل الضخمة في الصين. ويرى بعض الاقتصاديين أن هذه التحولات قد تنعكس في نهاية المطاف سلباً على القوة الاقتصادية الشاملة لثاني أكبر اقتصاد في العالم، بحسب ما ذكرت "أسوشيتد برس".
تأثيرات متباينة على الاقتصاد المتباطئ
في إطار مبادرة "الذكاء الاصطناعي بلس" والخطة الخمسية الممتدة حتى 2030، تدفع الحكومة الصينية نحو دمج الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من القطاعات، سعياً إلى تعزيز موقع البلاد في المنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة.
وقال زيلان تشيان، الباحث المشارك في مختبر أكسفورد للسياسات الصينية: "ما يميز الصين هو أن الحكومة تدفع بقوة نحو نشر الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء الاقتصاد، ولذلك قد يصل إلى قطاعات متعددة بوتيرة أسرع مقارنة بدول أخرى".
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه النمو الاقتصادي الصيني تباطؤاً بالفعل، فيما ظل الإنفاق الاستهلاكي ضعيفاً جزئياً بسبب إحجام الأفراد عن الإنفاق، وسط مخاوف من فقدان وظائفهم. وتضاف هذه الضغوط إلى تداعيات الركود الممتد في سوق العقارات، الذي أضعف ثروات الأسر. ويدور معدل البطالة في المناطق الحضرية بالصين حول 5%، في حين يبلغ معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً، باستثناء الطلاب، نحو ثلاثة أضعاف هذه النسبة.
ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن معدلات البطالة قد تتراجع على المدى الطويل، في ظل الشيخوخة السريعة لسكان الصين، البالغ عددهم نحو 1.4 مليار نسمة، وانكماش عدد السكان. وبحلول 2050، يُتوقع أن يصبح لدى الصين أقل من شخصين في سن العمل مقابل كل متقاعد، مقارنة بأكثر من 2.5 شخص في الولايات المتحدة.

إذا لم تستطِع المنافسة.."استفِد منه"
أما دو تشين تشون، الذي يعمل مترجماً بدوام جزئي، فيشارك في تدريب نموذج للذكاء الاصطناعي على أعمال الترجمة، وهو ما وفر له مزيداً من فرص العمل، ولو بصورة مؤقتة. وقال دو: "الأجور في قطاع الترجمة انخفضت بأكثر من النصف مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات".
ووفقاً لشركة "آي.دي.سي" لأبحاث السوق، قفزت نسبة الشركات الصناعية الصينية التي أفادت باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي و"الوكلاء" المعتمدين عليه إلى 47.5% العام الماضي، مقابل 9.6% في 2024.
وقال يانزه دو، كبير مديري الأبحاث في "آي.دي.سي": "تسهم المنظومة الصينية النشطة لنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر في تعزيز الابتكار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الصناعية، ما يقلص تدريجياً الفجوة بين قدرات النماذج الأساسية والقيمة الفعلية التي تحققها للشركات".
وأصبحت الروبوتات الشبيهة بالبشر قادرة، على سبيل المثال، على فرز الطرود في المراكز البريدية، وإن كان ذلك لا يزال على نطاق محدود. كما تتوسع قدراتها لأداء مزيد من المهام البشرية، مثل تنظيم حركة المرور وإعداد القهوة. وتنتشر روبوتات توصيل الطعام أيضاً في أنحاء البلاد، ما قد يهدد مصادر دخل ملايين العاملين في خدمات توصيل الطعام بالصين.
وفي الوقت نفسه، خلص تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية إلى أن النساء يواجهن مخاطر أعلى من الرجال لفقدان وظائفهن نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي، بسبب تركز عملهن في مجالات أكثر قابلية للأتمتة، مثل تجميع الإلكترونيات، فضلاً عن استمرار ضعف تمثيلهن في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

العمل المرن
ويؤدي التبني السريع للذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، من البرمجة وكتابة النصوص إلى المهام البدنية، إلى إزاحة بعض العاملين من وظائفهم، أو على الأقل إثارة مخاوفهم من فقدانها. وتأتي الصين في طليعة الدول التي تتبنى الذكاء الاصطناعي، إذ تشجع السياسات الحكومية الأفراد والشركات على استخدام تطبيقاته والروبوتات في مختلف جوانب الحياة، ما يدفع أشخاصاً مثل فاي إلى البحث عن سبل للتكيف مع الواقع الجديد.
وقالت شوجينغ خه، كبيرة المحللين في شركة "بلينوم" للاستشارات والأبحاث في بكين: "يبدو أن المشاعر المناهضة للذكاء الاصطناعي في الصين أقل بكثير منها في أماكن أخرى، إذ يتبنى معظم الناس مواقف إيجابية أو محايدة تجاهه، أو يبدون قدراً من الاهتمام به".
وأضافت "الأشخاص الذين يخشون أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم، وكذلك من غادروا بالفعل بيئات العمل التقليدية، غالباً ما يكونون متحمسين لتجربة مشاريع تجارية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والعمل المستقل. ومستوى الاهتمام لافت للغاية".