تكشف دراسات أن المستهلكين قد يدفعون شهرياً مقابل اشتراكات رقمية لا يستخدمونها أو لا يتذكرونها، فيما يسهم التجديد التلقائي وصغر المدفوعات في تحويل مبالغ تبدو محدودة إلى كلفة سنوية كبيرة، ما دفع دولاً إلى تعزيز القواعد التي تحمي المستهلك وتنظم العلاقة مع مزودي الخدمات.
تتنوع الاشتراكات بين منصات الأفلام والموسيقى، والتخزين السحابي، والألعاب، وبرامج العمل واللياقة، وصولاً إلى خدمات الذكاء الاصطناعي وتحرير الصور ومواد الفيديو، مع انتقال مزيد من الخدمات من الشراء لمرة واحدة إلى الدفع الشهري أو السنوي.
المستهلك ينفق أكثر مما يعتقد
أظهرت دراسة لشركة "سي آند آر ريسيرش" (C+R Research)، شملت ألف مستهلك، أن "متوسط ما اعتقد المشاركون أنهم ينفقونه على الاشتراكات بلغ 86 دولاراً شهرياً، لكن عند تفصيل اشتراكاتهم واحداً تلو الآخر ارتفع متوسط الإنفاق الفعلي إلى 219 دولاراً، أي أكثر من 2.5 مرة من تقديراتهم الأولية".
وقال 74% إنه من السهل نسيان الرسوم الشهرية المتكررة، فيما أقر 42% بأنهم توقفوا عن استخدام خدمة اشتراك لكنهم نسوا أنهم ما زالوا يدفعون مقابلها، بينما يعتمد 72% الدفع التلقائي لاشتراكاتهم.
وتتفاقم المشكلة بحسب غسان محمود، مهندس الكمبيوتر والمتخصص في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بسبب تشتت الاشتراكات بين متاجر التطبيقات والمواقع والبطاقات والمحافظ الرقمية، ولذلك لا تعطي قائمة الاشتراكات في الهاتف بالضرورة صورة كاملة عما يدفعه المستخدم.
وأوضح أن البيانات موجودة، لكنها موزعة بين حسابات ووسائل دفع مختلفة، ما يصعّب معرفة التكلفة الإجمالية للخدمات الرقمية.
التجديد التلقائي يغير معادلة الشراء
وكشفت دراسة "بيع الاشتراكات" (Selling Subscriptions) المنشورة في المجلة الاقتصادية الأمريكية عام 2025 أن معدلات الإلغاء ترتفع بصورة ملحوظة عند استبدال بطاقات الدفع.
وقدر الباحثون أن عدم انتباه المستهلك وعوائق الإلغاء يمكن أن يضاعفا إيرادات الشركات من الاشتراكات في المتوسط، مقارنة بحالة يكون فيها المستهلكون منتبهين بالكامل، مع ثبات عدد المشتركين في البداية.
وبحسب محمود، يقلب التجديد التلقائي منطق الشراء التقليدي، فلا يحتاج المستهلك إلى اتخاذ قرار جديد بالدفع كل شهر، بل يستمر الخصم تلقائياً، بينما يحتاج التوقف إلى قرار وإجراء منه.
وأشار إلى أن تغيير البطاقة لا يوقف بالضرورة جميع الاشتراكات، إذ تسمح آليات لدى شبكات الدفع بتحديث بيانات بعض البطاقات لدى التجار المشاركين، ولذلك يبقى الإلغاء مباشرة من مزود الخدمة الخيار الأكثر وضوحاً.
عندما يكون الاشتراك أسهل من الإلغاء
وفي مراجعة دولية أجرتها الشبكة الدولية لحماية المستهلك وإنفاذ القانون بالتعاون مع الشبكة العالمية لإنفاذ قوانين الخصوصية وشملت 642 موقعاً وتطبيقاً للاشتراكات، تبين أن نحو 76% منها استخدمت نمطاً واحداً على الأقل ما يعرف بـ"الأنماط المظلمة" (Dark Patterns)، فيما استخدم نحو 67% أكثر من نمط محتمل.
وتشمل هذه الأنماط تصميمات قد تؤثر في قرار المستخدم، مثل إخفاء معلومات مهمة أو جعل بعض الخيارات أكثر بروزاً. ولا تعني النتائج أن جميع الممارسات المرصودة كانت مخالفة للقانون.
وبحسب محمود، فإن سهولة الإلغاء لا تقاس بعدد النقرات فقط، بل بوضوح الخيار والخطوات والرسائل التي تظهر للمستخدم خلال العملية.
بريطانيا.. مليارات تذهب إلى اشتراكات غير مرغوبة
وتكشف بريطانيا حجم المشكلة على أرض الواقع، إذ تقدر الحكومة وجود نحو 9.7 ملايين اشتراك غير مرغوب فيه، ينفق عليها المستهلكون قرابة 1.6 مليار جنيه إسترليني سنوياً.
وترتبط نحو 3.6 ملايين منها بالانتقال من فترات تجريبية مجانية أو مخفضة إلى اشتراكات مدفوعة، ونحو 1.3 مليون بالتجديد التلقائي، وفق بيانات حكومية.
كما أظهر تقييم رسمي أن 84% من المستهلكين يرون أن الخروج من الاشتراكات أصعب من الدخول إليها، وهو ما دفع الحكومة إلى التحرك لمعالجة ما تصفه بـ"مصائد الاشتراكات"، عبر قواعد جديدة تشمل معلومات وتذكيرات أوضح وتسهيل إنهاء العقود.
الإمارات.. قواعد واضحة
وفي الإمارات، وضعت هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية قواعد مباشرة لحماية المشتركين في خدمات الاتصالات والخدمات الإضافية المشمولة بتنظيمها، إذ تلزم مزودي الخدمة بأن تكون وسيلة الإلغاء بنفس سهولة وسيلة الاشتراك وألا تكون أكثر تعقيداً منها. فإذا أمكن الاشتراك في خدمة عبر رسالة نصية، يجب أن يكون إلغاؤها بالطريقة نفسها متاحاً أيضاً.
وتذهب القواعد أبعد من ذلك، إذ تلزم المزود عند طلب إلغاء الخدمة بالتحرك فوراً لتعليقها ووقف تراكم رسوم إضافية. كما تتطلب رسالة تأكيد ما بعد الاشتراك، في الحالات التي تفرضها اللائحة، توضيح اسم الخدمة وسعرها وتكرار الرسوم الدورية إن وجدت، وتوفير رابط أو وسيلة للإلغاء.
وتؤكد اللوائح أيضاً أنه لا يجوز تسجيل المشترك أو فرض رسوم عليه مقابل خدمة لم يطلبها أو يوافق صراحة على دفع ثمنها، وأن عدم رفض العرض أو عدم إلغاء خيار محدد مسبقاً لا يعد موافقة على الاشتراك.
وتتكامل هذه الضوابط القطاعية مع منظومة حماية المستهلك الأوسع في الإمارات، والتي تشمل حماية المستهلك في الخدمات والتجارة الإلكترونية وتنظيم التزامات المزودين.
وبحسب محمود، تعكس هذه القواعد تحولاً مهماً في التعامل مع اقتصاد الاشتراكات، بحيث لا تتوقف حماية المستهلك عند معرفة السعر، بل تمتد إلى وضوح الرسوم الدورية وسهولة إنهاء الخدمة.
اشتراكات صغيرة.. تكلفة تتراكم
وتظهر الكلفة الحقيقية عند جمع الاشتراكات، فخدمة بقيمة 10 دولارات شهرياً تعني 120 دولاراً سنوياً، فيما ترفع خمسة اشتراكات بالقيمة نفسها الإنفاق إلى 600 دولار.
ويرى محمود أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي قد يوسع الظاهرة، مع تعدد خدمات الكتابة والتصميم وتحرير الصور والإنتاجية التي تعمل بنظام الاشتراك رغم تداخل بعض وظائفها.
ولكشف النفقات المنسية، ينصح محمود بإجراء "تدقيق رقمي" يجمع بين مراجعة اشتراكات متاجر التطبيقات وكشوف الحسابات والبطاقات المصرفية، وحساب التكلفة السنوية لكل خدمة ومقارنتها بمعدل استخدامها الفعلي.