تدخل المنافسة بين هونغ كونغ وسنغافورة مرحلة أكثر حدة، مع اتساع السباق بين المركزين الماليين الآسيويين لاستقطاب رؤوس الأموال والمواهب وتوسيع الخدمات المالية، من أسواق الأسهم والطروحات إلى إدارة الثروات وصناديق التحوط والتمويل الخاص وتجارة الذهب.
وترصد وكالة "بلومبرغ" اتساع نطاق المنافسة، بعدما لم تعد تقتصر على حجم أسواق الأسهم أو عدد المؤسسات المالية، بل باتت تشمل جذب المصرفيين ومديري الأصول والمستثمرين العالميين.
وتحتفظ هونغ كونغ بميزة تاريخية تتمثل في موقعها كبوابة مالية للصين، ما يمنحها ارتباطاً مباشراً بالاقتصاد الصيني وبأحد أكبر أسواق رأس المال في العالم.
استقرار تنظيمي ومركز لإدارة الثروات
في المقابل، بنت سنغافورة خلال السنوات الماضية نموذجاً مالياً أكثر تنوعاً، مستفيدة من موقعها في جنوب شرق آسيا، واستقرارها التنظيمي، وصلاتها الواسعة بالاقتصادات العالمية، وتحولها إلى مركز رئيسي لإدارة الثروات وصناديق التحوط والمكاتب العائلية.
وتبلغ قيمة سوق الأسهم في سنغافورة قرابة تريليون دولار سنغافوري، (783 مليار دولار)، وهو حجم يعادل تقريباً ثُمن سوق الأسهم في هونغ كونغ. كما نما السوق بأقل من 2% سنوياً في المتوسط منذ عام 2010، وفق بيانات "بلومبرغ".
زخم سوق الطروحات
وإذا كان معيار المنافسة هو أسواق الأسهم والطروحات العامة الأولية، فإن هونغ كونغ تمتلك أفضلية واضحة.
وبحلول أبريل (نيسان) 2026، جمعت الشركات عبر الطروحات العامة الأولية في هونغ كونغ أكثر من 140 مليار دولار هونغ كونغي (17.9 مليار دولار أمريكي)، فيما تجاوز متوسط التداول اليومي في سوق الأسهم 280 مليار دولار هونغ كونغي (35.8 مليار دولار أمريكي)، منذ مارس (آذار)، وفق بيانات نقلتها "بلومبرغ" عن وزير المالية في هونغ كونغ بول تشان.
واستمر زخم السوق خلال الصيف، مع عودة صفقات ضخمة إلى بورصة هونغ كونغ. وفي أغسطس (آب)، أعلنت "علي بابا" عن بيع أسهم بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي، في واحدة من أكبر صفقات الأسهم في تاريخ السوق، بينما واصلت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الصينية دراسة أو تنفيذ إدراجات كبيرة في المدينة.
كما برزت شركات مثل "شي إن"، التي تستهدف تقييماً يصل 27 مليار دولار أمريكي في إدراجها المرتقب في هونغ كونغ، في مؤشر على استمرار قدرة المدينة على جذب شركات التكنولوجيا الاستهلاكية والاقتصاد الرقمي.
وتمنح هذه الطفرة هونغ كونغ ميزة لا تملكها سنغافورة بالدرجة نفسها: الوصول المباشر إلى الشركات الصينية التي تبحث عن رأس المال العالمي.
سنغافورة تراهن على الثروات
في المقابل، تبدو سنغافورة أكثر قوة في قطاعات إدارة الثروات والمكاتب العائلية وبعض أنشطة صناديق التحوط والاستثمارات الخاصة.
وتشير تقديرات نقلتها بلومبرغ إلى أن أصول إدارة الثروات في سنغافورة مرشحة للنمو بمعدل يتراوح بين 6% و10% سنوياً حتى عام 2030. كما يمكن أن تنمو الثروات الإسلامية بأكثر من 12% سنوياً، مدفوعة جزئياً بتزايد التدفقات من الشرق الأوسط.
وفي هونغ كونغ أيضاً تتوسع المنافسة على الثروة الخاصة، إذ تقدر بلومبرغ حجم سوق الثروات الخاصة في المدينة بنحو تريليون دولار، فيما تخطط بنوك عالمية وإقليمية لتوظيف مئات المصرفيين المتخصصين في إدارة الثروات، وسط منافسة على الكفاءات أدت في بعض الحالات إلى ارتفاع الأجور بما يصل إلى 25%.
معركة صناديق التحوط والضرائب
تسعى هونغ كونغ إلى تعزيز قدرتها على جذب مديري صناديق التحوط والاستثمار الخاص من خلال إعفاءات ضريبية محتملة على رسوم الأداء والأرباح المرتبطة بأداء الصناديق، في محاولة لاستقطاب المزيد من مديري الأصول والمواهب المالية.
وفي مارس (آذار)، طرحت هونغ كونغ مقترحاً لإعفاء شركات الاستثمار الخاص، وربما صناديق التحوط، من الضرائب على بعض أرباح الأداء ورسوم الإدارة المرتبطة بها، على مستوى الشركات والأفراد، بهدف تعزيز موقع المدينة كمركز رئيسي لإدارة الأصول في آسيا.
لكن سنغافورة لا تقف مكتوفة الأيدي. فقد بدأت بدورها دراسة خفض الضرائب وتسهيل دخول المواهب الأجنبية العاملة في صناديق التحوط، في خطوة تؤكد أن المنافسة باتت تدور حول تكلفة ممارسة الأعمال بقدر ما تدور حول حجم الأسواق.
الذهب.. جبهة جديدة في السباق
انتقلت المنافسة كذلك إلى سوق الذهب، إذ تعمل سنغافورة على ترسيخ نفسها كمركز إقليمي لتجارة الذهب، بالتعاون مع مؤسسات مالية عالمية مثل JPMorgan وUBS، في محاولة لزيادة السيولة والاستفادة من الطلب المتنامي من المستثمرين الأثرياء.
كما أعلنت سلطة النقد في سنغافورة أنها تتطلع إلى توفير خدمات تخزين السبائك للبنوك المركزية والكيانات السيادية الأجنبية، إلى جانب تطوير منتجات في أسواق رأس المال مرتبطة بالذهب بهدف تعزيز اكتشاف الأسعار والسيولة.
وتضع هذه الخطوة سنغافورة في منافسة مباشرة مع هونغ كونغ، التي تملك بدورها طموحات لتعزيز دورها كمركز عالمي لتجارة الذهب.