تواصل أسواق الأسهم العالمية صعودها قرب مستويات قياسية، رغم موجة بيع في أسواق السندات دفعت عوائد الديون الحكومية طويلة الأجل إلى الاقتراب من أعلى مستوياتها منذ نحو عقدين، وسط مخاوف بشأن التضخم والعجز المالي وارتفاع الاقتراض.

ويثير هذا التباين تساؤلات حول قدرة الأسهم على مواصلة مكاسبها، خصوصاً أن ارتفاع عوائد السندات عادة ما يضغط على تقييمات الأسهم، إذ يجعل الأرباح المستقبلية للشركات أقل قيمة في حسابات المستثمرين، كما يزيد تكلفة الاقتراض ويجعل السندات الحكومية أكثر جاذبية مقارنة بالأصول ذات المخاطر الأعلى، وفق وكالة "بلومبيرغ".

وتبدو أسهم شركات التكنولوجيا أكثر عرضة للتأثر بارتفاع العوائد، نظرًا لاعتماد تقييماتها بدرجة أكبر على الأرباح المتوقعة في المستقبل.

ورغم ذلك، لم تستجب الأسهم العالمية بقوة لموجة ارتفاع العوائد الحالية. ويقترب مؤشر MSCI للأسهم العالمية من أعلى مستوياته على الإطلاق، مدعومًا بأداء قوي لأرباح الشركات والتفاؤل بشأن الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت بيانات جمعتها "بلومبيرغ" أن أرباح شركات مؤشر "S&P 500" ارتفعت بنحو 33% على أساس سنوي في الربع الثاني، في واحدة من أقوى النتائج المسجلة.

ويرى محللون أن أحد أسباب قدرة الأسهم على الصمود يتمثل في أن ارتفاع العوائد يعكس، في جزء منه، توقعات باستمرار النمو الاقتصادي، وليس فقط مخاوف التضخم أو الضغوط المالية. وعندما ترتفع العوائد نتيجة تحسن النمو، يمكن للأسهم والسندات أن تتحرك في الاتجاه نفسه.

كما أن الارتفاع التدريجي للعوائد، بدلًا من حدوث قفزة مفاجئة، ساعد في الحد من الضغوط على الأسهم. ويحذر استراتيجيون من أن الارتفاع الحاد وغير المنظم في عوائد السندات قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في الأسهم.

وتختلف الظروف الحالية أيضًا عن موجة التضخم التي شهدها عام 2022، عندما رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة بسرعة لمواجهة تضخم مرتفع، ما أدى إلى تراجع حاد في تقييمات الأسهم. أما في 2026 تبدو توقعات النمو الاقتصادي أكثر تفاؤلًا، مع تقديرات بنمو الاقتصاد الأمريكي الحقيقي 2.1%، إلى جانب توقعات بارتفاع أرباح الشركات بنحو 27%.

لكن ارتفاع العوائد يظل مصدر خطر، خصوصًا إذا أدى إلى إضعاف إنفاق المستهلكين من خلال زيادة تكاليف الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان. ويشكل الاستهلاك أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة.

وتشير بيانات السوق إلى أن علاوة مخاطر الأسهم، وفق مقياس يعتمد على عائد أرباح "S&P 500" مقارنة بعائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، دخلت المنطقة السلبية منذ 2024، ما يعني أن المستثمرين يحصلون على عائد أقل نسبيًا مقابل المخاطرة بالأسهم مقارنة بالسندات.

مع ذلك، يرى بعض الاستراتيجيين أن الأسهم لا تزال قادرة على استيعاب مزيد من ارتفاع العوائد. ووفق تقديرات استراتيجية الأسهم الأمريكية لدى بنك سوسيتيه جنرال، يمكن للسوق تحمل ارتفاع إضافي في العوائد بنحو 50 إلى 60 نقطة أساس قبل أن تتزايد الضغوط بصورة أكبر.

ويبقى الخطر الأكبر على موجة صعود الأسهم متمثلًا في حدوث قفزة مفاجئة في عوائد السندات أو ارتفاع كبير في تقلبات سوق الدين، إلى جانب احتمال دخول الاقتصاد العالمي في ركود.

وفي حال تزامن تباطؤ اقتصادي حاد مع انخفاض التضخم، قد تعود السندات الحكومية إلى لعب دور الملاذ الآمن، ما قد يدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم من الأسهم إليها. كما أن ارتفاع العوائد الحقيقية، أي العوائد بعد احتساب التضخم، إلى مستويات مرتفعة لعدة سنوات، يزيد من جاذبية السندات أمام المستثمرين.

وبذلك، لا يمثل ارتفاع عوائد السندات حتى الآن تهديداً حاسماً لموجة صعود الأسهم العالمية، لكنه يضع سقفاً متزايداً أمام استمرارها، خصوصًا إذا تحول ارتفاع العوائد من انعكاس للنمو الاقتصادي إلى مؤشر على تضخم مستمر أو ضغوط مالية متفاقمة.