دخل حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية الفرنسية حيّز التنفيذ، بالتزامن مع عودة 11.6 مليون تلميذ إلى المدارس، في خطوة تراهن عليها الحكومة للحد من تشتيت الطلاب وتعزيز التركيز داخل المؤسسات التعليمية.
وفق تقرير الرصد العالمي للتعليم التابع لليونسكو، فرضت 114 منظومة تعليمية حظراً وطنياً على الهواتف في المدارس حتى مارس (أذار) 2026، بما يمثل 58% من دول العالم، مقابل 24% فقط في يونيو (حزيران) 2023 و40% في مطلع 2025.
شكل الحظر نفسه يختلف من دولة لأخرى، ففي بعض الدول يُمنع الهاتف طوال اليوم الدراسي أو داخل الفصول، مع استثناءات للاستخدام التعليمي أو الحالات الصحية، بينما تكتفي دول أخرى بإلزام المدارس بوضع قواعد خاصة للاستخدام.
وكان البرلمان الفرنسي قد أقرّ القانون في يوليو (تموز) الماضي، قبل أن يُنشر في 24 أغسطس (آب)، ثم يبدأ تطبيق قواعده الجديدة مع انطلاق العام الدراسي في مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري.
ويأتي القرار استكمالًا لحظر الهواتف المطبق منذ 2018 في المدارس الابتدائية والإعدادية.
تحديات عملية لتطبيق الحظر
ولا يبدو تنفيذ القرار بالسهولة التي يوحي بها نصه، حيث يتعين على كل مدرسة ثانوية تعديل لوائحها الداخلية لتحديد آليات تطبيق الحظر والعقوبات والاستثناءات المسموح بها.
وتشمل الاستثناءات المحتملة استخدام الهاتف لأغراض تعليمية أو في بعض الخدمات داخل المدرسة، مثل شراء الطعام. كما يستخدم الطلاب هواتفهم للوصول إلى منصة "Pronote" التي تتيح لهم متابعة الواجبات والدرجات وغياب المعلمين وتغييرات الفصول.
وفي تصريحات لـ"فرانس 24"، أكد ميكايل مارسيلو، الأمين العام المشارك لنقابة "سي جي تي تربية"، أن تطبيق الإجراء لن يكون فورياً أو موحداً في جميع المؤسسات، مشيراً إلى أن كل مدرسة ستحدد الطريقة الأنسب لتنفيذه وفقاً للائحتها الداخلية.
هل يؤدي إلى تحسين الدرجات؟
تستند الحكومة الفرنسية في دفاعها عن القرار إلى أن إبعاد الهواتف عن الطلاب يمكن أن يساعدهم على التركيز بصورة أكبر، وبالتالي تحسين مستواهم الدراسي، في وقت تواجه فيه فرنسا نقاشاً مستمراً حول تراجع نتائج الطلاب.
غير أن التقارير العالمية لا تقدّم دعماً قوياً لهذا الدافع، حيث تابعت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد طلاباً في 5 آلاف مدرسة أمريكية لمدد تراوحت بين عدة أشهر وثلاث سنوات، بعد تطبيق أنظمة تمنع الوصول إلى الهواتف أثناء اليوم الدراسي.
وخلصت الدراسة إلى أن التغير في الانتباه داخل الفصول والنتائج الدراسية كان محدوداً للغاية، ولم يظهر بعد ثلاث سنوات أي تحسّن واضح في الأداء بالامتحانات.
وبعيداً عن التحصيل الدراسي، وجدت دراسة ستانفورد أيضاً نتائج إيجابية محدودة على تأثير حظر الهواتف في الحضور المدرسي أو الغياب المتكرر أو التنمر الإلكتروني.
كما توصلت دراسة بريطانية شملت 1,227 طالباً في المرحلة الثانوية العام الماضي إلى نتائج مشابهة.
دراسة: منع الهواتف في المدارس لا يؤثر في تحصيل الطلاب - موقع 24أظهرت دراسة جديدة أن السياسات التي تفرض على الطلاب إيداع هواتفهم المحمولة داخل أظرف أو حافظات مغلقة خلال اليوم الدراسي نجحت في خفض استخدام الهواتف بشكل ملحوظ، لكنها لم تُحدث تحسناً واضحاً في التحصيل الدراسي أو معدلات الحضور.
مكاسب خارج التحصيل الدراسي
ورغم محدودية أثر الحظر على النتائج الدراسية، تشير الدراسات إلى جانب آخر ربما يدعم القرار، يتعلق برفاه الطلاب والمناخ العام داخل المدارس، فالتطبيقات والألعاب وشبكات التواصل الاجتماعي مصممة لجذب انتباه المستخدم لفترات طويلة.
وبالتالي يؤدي إبعادها عن البيئة المدرسية، بمرور الوقت، إلى تحسين الأجواء داخل المؤسسات التعليمية وتقليل التشتت وحالات الإقصاء.
وتكشف بيانات فرنسية أن علاقة المراهقين بالهواتف ليست بالبساطة التي يفترضها قرار الحظر، فبحسب مقياس "الطفولة والرقمنة" الذي أعدّه معهد Ifop لصالح مؤسسة الطفولة، قال 55% من الأطفال بين 8 و15 عاماً إنهم يستخدمون الشاشات بدافع الملل، بينما أعرب 35% منهم عن رغبتهم في قضاء وقت أطول بعيداً عنها.
وتشير هذه الأرقام إلى أن جزءاً من المشكلة يتعلق بالطريقة التي يستخدم بها الأطفال الهاتف، وليس مجرد وجوده، وهو ما يطرح على المدارس مهمة تتجاوز منعه إلى تعليم الطلاب كيفية تنظيم استخدامه.
وداعاً للهواتف الذكية في المدارس.. نصف الولايات الأمريكية تصدر قوانين صارمة - موقع 24كانت فلوريدا أول ولاية أمريكية تقر قانوناً ينظم استخدام الهواتف المحمولة في المدارس عام 2023، وبعد عامين فقط، أصبح نصف الولايات الأمريكية يمتلك قوانين مشابهة، مع توقع مزيد من الولايات لاتخاذ إجراءات قريباً.
الحظر يتحول إلى سياسة عالمية
وفرنسا ليست وحدها في هذا الشأن، بل تتحرك ضمن موجة عالمية متسارعة لتقييد الهواتف داخل المدارس. ووفق تقرير الرصد العالمي للتعليم التابع لليونسكو، فرضت 114 منظومة تعليمية حظراً وطنياً على الهواتف في المدارس حتى مارس (أذار) 2026، بما يمثل 58% من دول العالم، مقابل 24% فقط في يونيو (حزيران) 2023 و40% في مطلع 2025.
وخلال الأشهر الأخيرة، انضمت دول مثل بوليفيا وكوستاريكا وكرواتيا وجورجيا والمالديف ومالطا إلى قائمة الدول التي فرضت حظراً وطنياً.
غير أن شكل الحظر نفسه يختلف من دولة لأخرى، ففي بعض الدول يُمنع الهاتف طوال اليوم الدراسي أو داخل الفصول، مع استثناءات للاستخدام التعليمي أو الحالات الصحية، بينما تكتفي دول أخرى بإلزام المدارس بوضع قواعد خاصة للاستخدام.
وفي الولايات المتحدة، حيث لا يوجد حظر اتحادي موحد، أصبحت 39 ولاية تطبق إما حظراً على مستوى الولاية أو تلزم المناطق التعليمية بوضع سياسات لتقييد الهواتف داخل الفصول.
أيضاً في ألمانيا بدأت القيود من بعض الولايات، بينها بافاريا وسارلاند وتورينغن، التي منعت الهواتف الذكية في المدارس الابتدائية ومدارس ذوي الاحتياجات الخاصة.