تدخل جزيرة جربة، المعروفة سياحياً بـ"جزيرة الأحلام"، تجربة جديدة مع توجه تونس إلى تحويل جزء من نفاياتها إلى مصدر للطاقة والسماد والمواد القابلة لإعادة التدوير، في نموذج للاقتصاد الدائري تأمل السلطات بتعميمه على بلديات أخرى بعد استكمال مراحله.
المشروع انبثقت فكرته عن دراسة أنجزتها "الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة" في 2021، لمعالجة مشكلة تراكم النفايات في الجزيرة، وفق تصريح عماد الأندلسي مدير طاقة الرياح والكتل الحية بالوكالة.
ماذا تنتج جربة؟
تنتج جربة نحو 60 ألف طن من النفايات سنوياً، نصفها تقريباً نفايات عضوية، بينها 10 آلاف طن مصدرها الفنادق وتصل مفروزة مسبقاً، ما يسهل الاستفادة منها وتحويلها إلى طاقة وسماد.
ومن هذه الكميات، يستهدف المشروع في مرحلته التجريبية معالجة 6 آلاف طن من المخلفات الفنادق العضوية، من خلال وحدة انطلقت أعمالها في يناير (كانون الثاني) 2026. وبدلاً من نقل هذه المخلفات إلى المكبات، ستُعالج لإنتاج غاز حيوي يُستخدم في توليد الكهرباء.

وعند تشغيل الوحدة، من المخطط إنتاج 1600 ميغاواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، إضافة إلى 3900 طن من المواد العضوية التي يمكن استخدامها في الزراعة، مع خفض الانبعاثات بما يعادل 5600 طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
ولجأت تونس إلى مشاريع تثمين النفايات عندما أصبحت الكلفة الاقتصادية لإدارتها باهظة الثمن. ووفق تقديرات البنك الدولي، "أنتجت البلاد 3 ملايين طن من النفايات البلدية في 2022، فيما بلغت النفقات السنوية للقطاع 141 مليون دولار، وقد ترتفع إلى 498 مليون دولار بحلول 2050".
هل جربة التجربة التونسية الأولى؟
ليست جربة أول تجربة تونسية لتحويل المخلفات إلى قيمة اقتصادية. ففي وادي لاية بولاية سوسة، استُخدم غاز المكب لإنتاج الكهرباء والطاقة الحرارية، وفق بيانات صادرة عن إذاعة "موزاييك" التونسية.
ونفذت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة بالتعاون مع الصين مشروعاً في مزرعة تضم 20 ألف دجاجة، حوّل قرابة 4 أطنان من الفضلات يومياً إلى غاز حيوي لإنتاج الكهرباء، إلى جانب 4 أطنان من السماد العضوي يومياً.
لكن فرادة جربة تكمن في محاولة جمع أكثر من مسار داخل منظومة واحدة: معالجة النفايات العضوية، وإنتاج الغاز الحيوي والسماد، واسترداد المواد القابلة لإعادة التدوير والطاقة، مع الاستفادة من وجود كمية كبيرة من مخلفات الفنادق المفروزة مسبقاً.
كيف تتحول النفايات إلى طاقة؟
المسار يبدأ من الفرز، وليس من الحرق مباشرة. فالنفايات العضوية المفروزة تُوجه إلى وحدة لإنتاج الغاز الحيوي، فيما يعالج جزء آخر بالتسميد الهوائي لإنتاج سماد عضوي للاستخدام الزراعي. أما البلاستيك والألومنيوم والحديد والزجاج، فتُفرز لإعادة تدويرها، بينما تذهب النفايات التي "لا يمكن إعادة تدويرها" إلى الحرق لاسترجاع الطاقة.
الاقتصاد الدائري.. الإمارات أنموذجاً
تجربة جربة ليست منفصلة عن تحول أوسع تشهده المنطقة العربية في إدارة النفايات، إلا أن حجم المشروعات وطبيعتها يختلفان من دولة إلى أخرى. ففي الوقت الذي تختبر فيه تونس نموذجاً صغيراً قابلاً للتكرار على مستوى البلديات، اتجهت دول أخرى إلى منشآت ضخمة لمعالجة ملايين الأطنان من النفايات.
الإمارات تقدم أحد أبرز النماذج الإقليمية في هذا المجال. فمركز دبي لمعالجة النفايات في منطقة ورسان صُمم بطاقة تشغيلية تصل إلى نحو 1.9 مليون طن سنوياً، عبر خمسة خطوط لمعالجة النفايات الصلبة، وإنتاج نحو 200 ميغاواط من الكهرباء، بما يكفي لتغذية قرابة 135 ألف منزل، وفق "وام".

وفي الشارقة يمثل "تحويل النفايات إلى طاقة" مساراً آخر، من خلال المحطة التي طورتها "بيئة" و"مصدر"، وتمكنت من تحويل أكثر من 300 ألف طن من النفايات بعيداً عن المكبات قبل أن يتجاوز إجمالي ما عالجته لاحقاً مليون طن، وفق "وام".
وتتوسع الإمارات في مسارات أخرى للاقتصاد الدائري، بينها مشروع في أبوظبي يستهدف تحويل نحو 500 ألف طن من الكتلة الحيوية والنفايات البلدية سنوياً إلى وقود طيران مستدام.
الأردن.. أين تتحرك؟
وبحسب بيانات قناة "المملكة الأردنية". يقدم الأردن نموذجاً قريباً من فلسفة جربة القائمة على معالجة مشكلة محلية محددة. ففي وادي الأردن افتُتح 2025 مصنع دير علا لإعادة تدوير البلاستيك الزراعي باستثمار يتجاوز 1.2 مليون دولار، لخدمة سبع بلديات وتحويل المخلفات البلاستيكية الزراعية إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام.

وأيضاً في 2025 أطلقت وزارة البيئة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشروعاً بقيمة 4.4 ملايين دولار، للحد من البلاستيك أحادي الاستخدام وتعزيز الاقتصاد الدائري. يهدف لخفض نحو 5 آلاف طن من النفايات البلاستيكية وتقليل نحو 17 ألف طن من انبعاثات غازات الدفيئة، مع التركيز على قطاع الأغذية والمشروبات.