في مفارقة تعكس حجم الاختلالات التي يواجهها الاقتصاد العراقي، نجحت بغداد في رفع طاقتها التصديرية للنفط إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، مستفيدة من سماح إيران لناقلات عراقية بالعبور من مضيق هرمز، في وقت يقف فيه عراقيون في طوابير أمام محطات الوقود بحثاً عن البنزين، بينما تواجه الحكومة ضغوطاً مالية متفاقمة، نتيجة اعتمادها شبه الكامل على إيرادات الخام.
وأعلن وزير النفط العراقي باسم محمد خضير، رفع الطاقة التصديرية إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، مع توجه الحكومة لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً، بالتزامن مع استكمال خطوط الأنابيب الاستراتيجية وتعزيز منافذ التصدير، بحسب وكالة الأنباء العراقية.
العراق يرفع صادرات النفط إلى 2.3 مليون برميل يومياً خلال أغسطس - موقع 24عزز العراق صادراته النفطية في أغسطس (آب) إلى 2.3 مليون برميل يومياً، ومن المتوقع أن ترتفع شحنات سبتمبر (أيلول) أيضاً، حسب بيانات أولية لشركتي تتبع الشحنات النفطية فورتيكسا وكبلر.
ويأتي التطور بعد قفزة في صادرات النفط العراقية خلال أغسطس (آب) إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، مقابل نحو 1.35 مليون برميل في يوليو (تموز)، لكنها لا تزال أدنى من مستويات ما قبل الحرب في فبراير (شباط)، حين تراوحت تقديرات الصادرات بين 3.36 و3.7 مليون برميل يومياً.
بوابة إيرانية لعبور النفط
لم يكن تعافي الصادرات العراقية مرتبطاً بزيادة الإنتاج فقط، إذ لعب "تواطؤ طهران"، وموافقتها على مرور عدد من ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز، دوراً محورياً في انتعاش الشحنات النفطية العراقية.
ووفقاً لـ"رويترز"، منحت إيران الإذن لعدد من الناقلات العراقية بالعبور، فيما قال محللون إن "العراق هو المنتج الخليجي الوحيد الذي حصل على تصريح من هذا النوع، رغم عدم وضوح ما إذا كانت الموافقة تشمل جميع الشحنات العراقية".
ومنحت هذه المعادلة بغداد "ميزة استثنائية"، في وقت لا تزال فيه حركة الملاحة عبر أحد أهم شرايين الطاقة في العالم تواجه اضطرابات حادة.
شريان مالي
بالنسبة إلى بغداد، لا تمثل زيادة الصادرات مجرد مكاسب لقطاع الطاقة، بل حاجة مالية ملحّة لدولة يعتمد دخلها بصورة شبه كاملة على النفط.
وتؤمّن المبيعات النفطية نحو 90% من إيرادات العراق، ما جعل اضطراب الصادرات منذ اندلاع الحرب وإغلاق إيران للمضيق ينعكس سريعاً على المالية العامة.
وقبل الحرب، كان العراق ينتج نحو 4 ملايين برميل يومياً ويصدر ما معدله 105 ملايين برميل شهرياً، معظمها من الموانئ الجنوبية وعبر مضيق هرمز.
لكن تعطل هذا المسار أجبر بغداد على خفض الإنتاج في عدد من الحقول بعد امتلاء الخزانات، والبحث عن بدائل محدودة، بينها نقل الخام بالصهاريج عبر سوريا والتصدير عبر تركيا، من خلال خط الأنابيب الممتد إلى ميناء جيهان.
وتكشف الأزمة هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد بصورة كبيرة على سلعة واحدة، وعلى مسار بحري يمكن للاضطرابات الجيوسياسية تعطيله.
طوابير أمام محطات الوقود.. أزمة خانقة في العراق - موقع 24شهدت محطات الوقود في بغداد طوابير طويلة من المستهلكين، مع استمرار تراجع الواردات عبر مضيق هرمز منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط.
بلد نفطي يبحث عن البنزين
وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً في السوق المحلية. فبينما تعلن الحكومة استعادة ملايين البراميل من الطاقة التصديرية، شهدت بغداد ومحافظات عراقية أخرى طوابير طويلة أمام محطات الوقود بسبب نقص البنزين.
ويستهلك العراق نحو 33 مليون لتر من البنزين يومياً، وقد يقفز الطلب إلى نحو 38 مليون لتر عند تصاعد المخاوف من نقص الإمدادات. ورغم مكانة العراق كثاني أكبر منتج للنفط في "أوبك"، لا تزال المصافي العراقية غير قادرة على توفير كامل احتياجات أكثر من 46 مليون نسمة، ما يضطر البلاد إلى استيراد مشتقات نفطية.
وعزت وزارة النفط أزمة البنزين الأخيرة إلى المشكلات اللوجستية التي تواجه ناقلات الوقود بسبب الصراع الإقليمي، مؤكدة أن النقص مؤقت، وأن شحنات إضافية ستصل لمعالجته.
وهكذا يجد العراق نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: بلد يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة ويستعيد قدرته على تصدير ملايين البراميل، لكنه يحتاج إلى موافقة إيرانية لعبور جزء من نفطه عبر هرمز، ويعاني في الداخل نقصاً في البنزين، فيما تعتمد خزينة الدولة على استمرار تدفق عائدات الخام.