للحروب حسابان؛ الأول يُدفع فوراً في ساحات القتال، والثاني يُسدد لاحقاً عندما تبدأ الجيوش في جرد مخازنها.
تكلفة الحرب الإيرانية على الولايات المتحدة تُقدّر بـ 40 مليار دولار، منها 26.1 مليار دولار للذخائر، إلى جانب إصلاح وإعادة بناء القواعد المتضررة بما بين 4 و9.4 مليار دولار
ويبدو أن حرب إيران وضعت الولايات المتحدة أمام الحساب الثاني مبكراً، حيث تكشف وتيرة استهلاك السلاح في شرق المتوسط خلال الشهور الماضية عن حجم هذا الأثر المالي المؤجل على الخزانة الأمريكية.
فالصواريخ والذخائر التي أُطلقت خلال النزاعات خلّفت فجوة يتعين سدّها سريعاً، لتبدأ واشنطن رحلة طويلة لإعادة بناء مخزوناتها وتعويض ما استُهلك، لضمان بقاء القوات الأمريكية في حالة الجاهزية نفسها.
تقارير إعلامية مقابل نفي رسمي
القصة بدأت قبل أكثر من شهر، حينما تحدثت تقارير إعلامية عن الضغط المتزايد على مخزون الأسلحة الأمريكية، ونقلت شبكة BBC عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" تقديرات بأن الولايات المتحدة استخدمت 60% من صواريخ ثاد، وتراجع لديها مخزون صواريخ باتريوت إلى ما بين 759 و827 صاروخاً بنهاية يوليو (تموز) الماضي، مقابل 2330 صاروخاً قبل الحرب.
كما قدّر "CSIS" أن مخزون صواريخ توماهوك انخفض من أكثر من 3000 صاروخ قبل الحرب إلى 2000 صاروخ، وأن إعادة المخزون إلى مستوياته السابقة ستستغرق 5 سنوات. ووفق المركز، تبلغ تكلفة أحدث طرز صواريخ "توماهوك" (TLAM) نحو 2.6 مليون دولار للصاروخ الواحد.

حينها نفى ترامب وجود أي نقص، وقال عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال" إن الولايات المتحدة لديها كميات ضخمة من الذخائر والأسلحة، وإن الإنتاج مستمر، كما هدّد بملاحقة من وصفهم بـ"المسربين" الذين ينشرون تلك المعلومات عن وضع الترسانة.
ورغم النفي الرسمي، عادت التقارير مجدداً لكن عبر "رويترز" هذه المرة، حيث قالت إن الجيش الأمريكي استخدم كل مخزونه من بعض الصواريخ بعيدة المدى خلال الحرب الإيرانية، فيما أشارت "وول ستريت جورنال" إلى نقل أمريكا لأسلحة من أوروبا وآسيا إلى شرق المتوسط لمواصلة الحرب، بما يضغط على مخزونات مخصصة لكبح جماح جبهات أخرى مثل الصين وروسيا.
الأمر الذي دفع ترامب للردّ مجدداً قبل أيام، مؤكداً عبر حسابه الرسمي أن أمريكا لديها كميات غير محدودة من الذخائر، وأن الإنتاج يتم بمعدلات غير مسبوقة.

الفاتورة الحقيقية
بعيداً عن حقيقة الوضع، فإن الفاتورة الاقتصادية موجودة بلا شك، لأن السلاح الذي يُطلق في الحرب لا يخرج فقط من المخازن، وإنما يتحول إلى طلب جديد على المصانع.
فبالعودة مثلاً إلى تقديرات "CSIS" نجد أن تكلفة الحرب الإيرانية على الولايات المتحدة تُقدّر بـ 40 مليار دولار، منها 26.1 مليار دولار للذخائر، إلى جانب إصلاح وإعادة بناء القواعد العسكرية المتضررة بين 4 و9.4 مليار دولار.
وذكرت تقارير أيضاً أنه في يونيو (حزيران)، طلبت إدارة ترامب من الكونغرس 87.6 مليار دولار في صورة تمويل إضافي، بينها أموال مخصصة لإعادة بناء القدرات العسكرية وتعويض المعدات والذخائر. وقدّر "CSIS" أن ثلث هذا الطلب مرتبط بتكاليف الحرب مع إيران.
ماذا يعني ذلك؟
تبيّن هذه الأرقام أن الفاتورة الحقيقية للحرب تتبلور عقب توقف القتال، حين تتجه المخصصات المالية نحو تعويض النقص وإعادة التسليح.
غير أن تحويل هذه الأموال إلى أسلحة فعلية في المخازن يواجه عقبة الوقت، نظراً لكون الأمر يتطلب عقوداً معقدة وتوسيعاً لخطوط الإنتاج وسلاسل التوريد، وهو ما يمد كلفة الحرب لسنوات قادمة ويجعلها محركاً اقتصادياً كاملاً لقطاع الدفاع.
وتتجلى أبعاد هذا التوجه في التعاقد الضخم الذي حصدته شركة "رايثيون" بقيمة 22.9 مليار دولار، والذي يمتد لسبع سنوات بهدف رفع إنتاج صواريخ "توماهوك" السنوي من 60 صاروخاً إلى أكثر من ألف صاروخ، في دلالة صريحة على قدرة الاستهلاك العسكري الميداني على توليد موجة طلب استثمارية تمتد لسنوات داخل القطاع الصناعي.

ليس الاقتصاد وحده
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تتخطى فاتورة الحرب الإيرانية جدران البنتاغون لتمس حياة الناخب الأمريكي مباشرة، بعدما انعكست الاضطرابات العسكرية على أسواق النفط ورفعت أسعار الوقود ومعدلات التضخم.
الأمر الذي يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع وعوده الانتخابية التي قامت على تجنّب الحروب وتنمية الاقتصاد، ليجد نفسه بدلاً من ذلك أمام نزاع مكلف واستنزاف طويل للترسانة الوطنية.
وتظهر الأرقام حجم المأزق السياسي، فقد أظهر استطلاع "رويترز/إبسوس" هبوط نسبة التأييد لترامب إلى 33%، مقابل عدم رضا 71% من الأمريكيين عن تعامله مع ضغوط تكاليف المعيشة.
لذلك تشير تحليلات سياسية إلى أن الحرب ربما تصبح عبئاً على الجمهوريين في الانتخابات، إذا استمر الناخبون في ربطها بارتفاع الأسعار والتكاليف العسكرية.
وفي هذا الشأن خلص تحليل لمعهد "بروكينجز" إلى أن النزاعات العسكرية التي تفتقر إلى إجماع شعبي تتحول سريعاً إلى عبء انتخابي على الحزب الحاكم، وهو ما يجعل ترامب مطالباً ليس فقط بسداد كلفة الحرب من الموازنة، بل بتقديم إجابات للناخب عن ثمن حقبة صرّح سابقاً أنها ستجلب الاستقرار والسلام والازدهار.