تواجه الحكومات حول العالم ضغوطاً مالية متزايدة مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام إلى مستويات تضيّق مساحة الحركة أمام الموازنات، بالتزامن مع بقاء الديون عند مستويات قياسية وارتفاع عوائد السندات.
بحسب تحليل لصحيفة "فاينانشال تايمز"، تجاوزت فاتورة خدمة الدين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2 تريليون دولار خلال 2025، بما يعادل نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول. وفي الوقت نفسه، تتجه الحكومات إلى مستويات قياسية من الاقتراض لتغطية العجز والاحتياجات التمويلية.
وبلغ متوسط عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في دول مجموعة السبع قرابة 4%، وهو أعلى مستوى منذ 2008، ما يرفع كلفة إصدار الديون الجديدة وإعادة تمويل السندات المستحقة.
وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تصل احتياجات حكومات دولها من الاقتراض لقرابة 18 تريليون دولار خلال 2026، في ظل استمرار العجز وارتفاع حجم الالتزامات القائمة.
أمريكا أمام فاتورة متصاعدة
وبلغ الدين العام الأمريكي نحو 40 تريليون دولار، فيما تتجه تكلفة خدمته إلى الارتفاع بقوة خلال السنوات المقبلة.
وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي إلى أن تكاليف الفائدة على الدين الفيدرالي قد تتضاعف خلال العقد المقبل، مع احتمال تجاوزها الإنفاق على الضمان الاجتماعي بعد عام 2047 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبقى العجز المالي الأمريكي أعلى من 7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، ما يبقي احتياجات الاقتراض مرتفعة ويزيد حساسية المالية العامة تجاه أسعار الفائدة.
بريطانيا وفرنسا
وفي بريطانيا، تبلغ مدفوعات فوائد الدين نحو 110 مليارات جنيه إسترليني سنوياً، بينما يُتوقع أن تقترب تكلفة خدمة الدين من 4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030-2031، أي نحو ضعف مستواها قبل جائحة كورونا.
أما فرنسا، فبلغ الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات نحو 0.9 نقطة مئوية، فيما تتوقع مورغان ستانلي وصول العجز الفرنسي إلى نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقابل هدف حكومي يبلغ 5%.
مخاطر وحلقة مفرغة
تكشف هذه التطورات عن مخاطر ما يمكن وصفه بحلقة مفرغة للديون: ارتفاع تكلفة الفائدة يزيد العجز، ما يدفع إلى مزيد من الاقتراض، وقد يؤدي ذلك بدوره إلى ارتفاع عوائد السندات وتكلفة التمويل.
وعلى المستوى العالمي، بلغ الدين الحكومي نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي العام الماضي، ويتوقع صندوق النقد الدولي اقترابه من 100% بحلول نهاية العقد. كما يقترب إجمالي الدين الحكومي والشركات من 300 تريليون دولار.
ولا تتحدد تكلفة الاقتراض بأسعار الفائدة وحدها، إذ تشير تقديرات "أليانز" إلى أن الهشاشة السياسية منذ 2022 أضافت نحو 100 مليار يورو إلى تكاليف الفائدة في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا.
زيادة الضرائب وخفض الإنفاق
وأمام هذه الضغوط، تملك الحكومات خيارات محدودة تشمل زيادة الضرائب، خفض الإنفاق، تحسين إدارة آجال الدين، أو تعزيز النمو والإنتاجية. ويبرز الذكاء الاصطناعي كأحد الرهانات على رفع الإنتاجية ودعم النمو، بما قد يساعد على خفض نسبة الدين إلى الناتج بمرور الوقت.
وتشير الصورة العامة إلى أن التحدي لم يعد يتمثل في حجم الدين فقط، بل في تكلفة تمويله وقدرة الاقتصادات على تحقيق نمو أسرع من وتيرة تراكم الالتزامات، خصوصاً مع وصول فاتورة خدمة الدين إلى أكثر من 2 تريليون دولار في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وتوقع اقتراض 18 تريليون دولار خلال 2026.