تترقب سوق الألبان والجبن في فرنسا فترة صعوبات تشغيلية واقتصادية خلال الأشهر المقبلة، بسبب موجات الحر التي أضعفت إنتاجية الأبقار واستنزفت مخزونات الأعلاف، بالتزامن مع انخفاض أسعار الحليب وارتفاع تكاليف تربية الماشية.

يدخل "سالير" ضمن 47 نوعاً من الجبن الفرنسي المصنف تحت علامة "AOP"، وهي اختصار لعبارة "تسمية المنشأ المحمية"، التي تحدد منطقة جغرافية بعينها لإنتاجه.

وقال المركز الوطني المهني المشترك لقطاع الألبان "CNIEL"، في مذكرة التوقعات الصادرة في سبتمبر (أيلول) الجاري، إن أسواق الألبان تمر بفترة مضطربة الآن، متوقعاً تباطؤ المعروض من الحليب وارتفاع تكاليف التغذية في فرنسا وأوروبا خلال الفترة المقبلة.

وتكشف بيانات "FranceAgriMer" ووزارة الزراعة الفرنسية مدى تأثير الطقس على الإنتاج الفرنسي، حيث تراجعت عملية جمع حليب الأبقار 0.9% في يونيو (حزيران) 2026 على أساس سنوي، بعد انخفاضها 1.1% في مايو (أيار).

وكان الانخفاض أكثر حدة خلال موجة الحر بين 22 و28 يونيو (حزيران)، عندما تراجعت الكميات المجمعة أسبوعياً 10.9% مقارنة بالأسبوع السابق، وبنسبة 7% على أساس سنوي. 

وسجلت بريتاني تراجعاً بلغ 14.4%، مقابل 12.5% في نورماندي و12% في منطقة سانتر-فال دو لوار.

مصير أشهر الأجبان الفرنسية

تظهر تداعيات الجفاف بوضوح في إنتاج بعض أنواع الجبن الفرنسية، حيث توقف أكثر من ثلاثة أرباع منتجي جبن "سالير" في فرنسا، البالغ عددهم 80 منتجاً، عن العمل هذا الصيف بعد موجات متتالية من الحر والجفاف. 

ويُنتج "سالير" بصورة رئيسية في إقليم كانتال بمنطقة أوفيرني-رون-ألب، ويخضع لقواعد صارمة تفرض إنتاجه بين 15 أبريل (نيسان) و15 نوفمبر (تشرين الثاني)، باستخدام حليب أبقار تعتمد بصورة أساسية على رعي المراعي، ما يجعله أكثر عرضة لتراجع توافر العشب.

وفي الشهر الماضي، أقرّ المعهد الوطني للمنشأ والجودة في فرنسا "INAO" تعديلات مؤقتة لمساعدة منتجي أجبان "AOP" على مواجهة الجفاف ونقص العشب. 

وشملت الاستثناءات أجبان "بوفور" و"كومتي" و"أبوندانس"، مع السماح بزيادة الأعلاف المقدمة للأبقار أو جلب كميات إضافية من خارج المناطق المحددة بموجب قواعد "AOP"، وسط توقعات بامتداد هذه الاستثناءات إلى أنواع أخرى.

تأثير الحر على الأبقار والأعلاف

رغم ارتفاع عملية جمع الحليب في فرنسا 1.9% بين بداية يناير (كانون الثاني) ومنتصف أغسطس (آب)، إلا أنها جاءت أقل بكثير من الوتيرة المسجلة في بداية العام، عندما بلغت الزيادة 5.5% خلال الأسابيع الأولى من 2026.

ويرتبط هذا التباطؤ بموجات الحرارة المتكررة منذ مايو (أيار)، التي خفضت إنتاج الحليب اليومي للأبقار، إلى جانب تأثيرها في المراعي ومخزونات الأعلاف. 

ويحذر "CNIEL" من أن استمرار النقص في الأعلاف قد يدفع بعض المربين إلى تقليص أعداد الأبقار، ما يهدد إنتاج الحليب على المدى المتوسط.

وتظهر الضغوط نفسها في أجزاء أخرى من أوروبا، رغم أن إنتاج الاتحاد الأوروبي ارتفع 2.7% على أساس سنوي وفق أحدث البيانات، بعدما سجل نمواً قدره 1.8% في يونيو (حزيران). إلا أن توقعات الأشهر المقبلة أصبحت أكثر قتامة مع تراجع توافر الأعلاف في عدد من الدول.

أما في نيوزيلندا والولايات المتحدة، وهما من أبرز مناطق إنتاج وتصدير الألبان عالمياً، فظل الإنتاج مرتفعاً خلال آخر 12 شهراً، بزيادة 3.6% و3.2% على التوالي، مقابل 3.8% في الاتحاد الأوروبي.

دخل المربين تحت الضغط

تتراكم الضغوط على قطاع الألبان لتشمل المربين أنفسهم، حيث يواجهون انخفاضاً في أسعار الحليب مقابل ارتفاع مستمر في تكاليف التشغيل.

​وبلغ سعر الحليب البقري 417 يورو لكل ألف لتر في يونيو (حزيران)، بانخفاض 51 يورو (11%) مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. 

وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تكاليف إنتاج الحليب "Ipampa" بنحو 4% على أساس سنوي في يونيو (حزيران)، مع توقعات بزيادة جديدة في تكاليف الأعلاف خلال الأشهر المقبلة.

​وفي أسواق المنتجات الصناعية، بدأت الأسعار في التحسن بشكل محدود بعد فترة من التراجع. واستقر سعر الزبدة عند 4200 يورو للطن في منتصف أغسطس (آب)، بينما واصلت بودرة الحليب منزوع الدسم صعودها منذ بداية العام مقتربة من 2900 يورو للطن.

غير أن هذا الانتعاش ظل غائباً عن أسعار المتاجر التي شهدت جموداً خلال العام الماضي، ما يعكس تأخر انعكاس أزمة المزارعين على المستهلكين.

ويرتبط الخطر الأشد على القطاع بطول فترة موجات الحر ونفاد رصيد الأعلاف، لما يسببه ذلك من تراجع في أعداد الأبقار المنتجة للحليب.

ويشير "CNIEL" إلى أن تراجع أعداد القطيع يمكن أن يتحول إلى مشكلة طويلة الأمد، لأن خروج الأبقار من الإنتاج لا يمكن تعويضه بسرعة، ما يعني أن تأثير موجات الحر والجفاف قد يستمر حتى بعد تحسن الظروف المناخية.