تواجه محادثات إعادة ضبط العلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي تأجيلاً جديداً، في ظل خلافات متزايدة حول قواعد "صنع في أوروبا" التي يعتزم الاتحاد تطبيقها لتعزيز أولوية منتجاته في المشتريات العامة، ما يهدد بإبطاء جهود الجانبين لخفض الحواجز التجارية التي نشأت منذ خروج بريطانيا من الاتحاد.

بحسب صحيفة فاينانشال تايمز، تأجلت القمة التي كان مقرراً عقدها في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى أواخر الشهر على أقرب تقدير، وسط استمرار الخلافات بشأن طبيعة التنازلات الاقتصادية المطلوبة من لندن وبروكسل ضمن حزمة إعادة ضبط العلاقات.

"صنع في أوروبا" يفتح جبهة تجارية جديدة

ويتركز أحد أبرز الخلافات حول سياسة "صنع في أوروبا"، التي تمنح أفضلية أكبر للسلع والخدمات المنتجة داخل الاتحاد الأوروبي في عمليات المشتريات العامة. وترى بروكسل أن القواعد الجديدة تستهدف تعزيز سلاسل الإمداد الأوروبية ودعم القدرة التنافسية للصناعة المحلية، في وقت يسعى فيه الاتحاد إلى تقليل تعرض شركاته للمنافسة الخارجية.

لكن الحكومة البريطانية تخشى أن تؤدي السياسة الجديدة إلى إضعاف قدرة الشركات البريطانية على الوصول إلى عقود ومشروعات داخل السوق الأوروبية، خصوصاً في قطاعات صناعية رئيسية مثل السيارات والكيماويات.

ويعكس الخلاف اتساع الفجوة بين رغبة بريطانيا في استعادة قدر أكبر من النفاذ إلى السوق الأوروبية وبين تمسك الاتحاد بقواعده التنظيمية وآليات حماية الشركات الأوروبية.

التجارة في قلب إعادة ضبط ما بعد بريكست

وتستهدف محادثات إعادة الضبط معالجة عدد من العوائق التي تواجه حركة التجارة والاستثمار بين الجانبين منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إجراءات الحدود وتجارة المنتجات الزراعية والغذائية.

وتتضمن الحزمة المقترحة تسهيل عمليات التفتيش على المنتجات الحيوانية والنباتية، إلى جانب إعادة ربط أنظمة تداول الكربون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وهي خطوة من شأنها تقليل تكاليف الامتثال على الشركات وتحسين قدرة الطرفين على التعامل مع أسواق الكربون.

كما يناقش الجانبان نظاماً للتنقل الشبابي يسمح بقدر أكبر من حرية الإقامة والعمل، لكن المفاوضات تواجه خلافات حول أعداد التأشيرات وشروط استفادة الطلاب البريطانيين من الرسوم الجامعية داخل أوروبا.

خلافات حول كلفة التقارب

ولا تقتصر العقبات على قواعد التجارة، إذ يطالب الاتحاد الأوروبي بريطانيا بتقديم تنازلات في ملفات أخرى مقابل تعميق الوصول إلى السوق الموحدة.

وتشمل المطالب الأوروبية ترتيبات تتعلق بالتنقل والتعليم، في حين تسعى لندن إلى ضمان مكاسب اقتصادية واضحة من أي اتفاق جديد، دون أن يؤدي ذلك إلى العودة إلى التزامات شبيهة بعضوية الاتحاد الأوروبي.

وتبرز هذه المعادلة باعتبارها التحدي الرئيسي أمام المفاوضات، إذ تريد بريطانيا خفض كلفة الاحتكاكات التجارية التي أعقبت بريكست، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على استقلالها التنظيمي والتجاري.

قاعدة تعويضية تثير مخاوف لندن

ومن بين المقترحات الأوروبية المثيرة للجدل ما يعرف باسم "بند فاراج"، الذي يقضي بإلزام بريطانيا بتعويض الاتحاد الأوروبي في حال قررت حكومة مستقبلية الانسحاب من اتفاق إعادة الضبط.

ويهدف المقترح إلى توفير ضمانات للاتحاد الأوروبي ضد احتمال تغير السياسة البريطانية بعد إبرام الاتفاق، لكنه يثير حساسية في لندن، لأنه قد يفرض تكلفة مالية على أي حكومة بريطانية تقرر مستقبلاً تغيير مسار العلاقة مع بروكسل.

ويضيف هذا الخلاف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى المفاوضات، خصوصاً أن أي اتفاق اقتصادي طويل الأجل يحتاج إلى قدر من الاستقرار السياسي لضمان استمرار الشركات في اتخاذ قرارات استثمارية على أساسه.

الشركات البريطانية تترقب قواعد السوق الأوروبية

ويمثل استمرار الخلاف مصدر قلق للشركات البريطانية التي تعتمد على السوق الأوروبية، إذ إن أي قواعد جديدة تفضل المنتجات الأوروبية قد تؤثر في قدرة الشركات البريطانية على المنافسة في العقود الحكومية والمشروعات الكبرى داخل الاتحاد.

ويكتسب الأمر أهمية خاصة بالنسبة لقطاعات السيارات والكيماويات والتصنيع، التي ترتبط بسلاسل إمداد عابرة للحدود وتعتمد على انسياب السلع والمكونات بين بريطانيا ودول الاتحاد.

كما أن استمرار التباعد التنظيمي يرفع كلفة الامتثال أمام الشركات التي تتعامل مع السوقين، ما قد يحد من جاذبية بعض الاستثمارات العابرة للقنال الإنجليزي.

محاولة لتقليص كلفة بريكست

ورغم التأجيل، يؤكد الطرفان استمرار العمل على التحضير للقمة، ما يشير إلى أن الخلافات الحالية لا تعني انهيار مسار إعادة ضبط العلاقات.

لكن التأجيل المتكرر يعكس صعوبة الوصول إلى تسوية تجمع بين هدف بريطانيا في تحسين شروط التجارة مع أوروبا وهدف الاتحاد في حماية سوقه الموحدة وضمان التزام لندن بالقواعد التي تحكم الوصول إليها.

وتشير التطورات إلى أن إعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ستكون عملية تدريجية، تتطلب تسويات في ملفات التجارة والتنظيم وحركة العمالة والطلاب، وليس اتفاقاً واحداً قادراً بمفرده على إزالة التداعيات الاقتصادية التي خلفها بريكست.