لم تكن الولايات المتحدة بالنسبة إلى كندا مجرد شريك تجاري، بل السوق التي بُني حولها جزء واسع من اقتصادها لعقود. واهتزت هذه العلاقة عقب انهيار المفاوضات التجارية في أغسطس (آب) وأسفرت عن فرض واشنطن رسوماً 50% على سلع كندية بـ20 مليار دولار، لترد الأخيرة برسوم "دولار مقابل دولار" على منتجات أمريكية.
اهتزت العلاقة بين أمريكا وكندا عقب انهيار المفاوضات التجارية في أغسطس (آب) وأسفرت عن فرض واشنطن رسوماً 50% على سلع كندية بـ20 مليار دولار، لترد الأخيرة برسوم "دولار مقابل دولار" على منتجات أمريكية.
ومهّد الخلاف التجاري بين كندا وأمريكا الطريق أمام أوروبا لـ"اقتناص" الفرصة، وتعميق تعاونها مع كندا في قطاعات استراتيجية عدة، وتفجر الأمر، باقتراح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أن تصبح كندا أول "عضو شريك" في الاتحاد الأوروبي. وهو ما قابله ترامب بالتهديد بفرض رسوم قاسية، أو تقليص التجارة مع أوروبا، واصفاً الخطوة بـ"العدائية".
أمريكا وكندا.. علاقة تاريخية
وتكشف الأرقام صعوبة "فك التشابك" الاقتصادي بين البلدين، إذ استحوذت الولايات المتحدة على 71.7% من صادرات كندا السلعية في 2025، مقابل 75.9% في 2024، في حين ارتفعت صادرات كندا إلى الأسواق الأخرى 17.2%، وفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية.
وعلى امتداد عقود، بنت الولايات المتحدة وكندا مساحة إنتاج مشتركة عبر حدودهما. وبدأ التحرير المنظم للتجارة باتفاق التجارة الحرة 1989، ثم توسع مع "نافتا" 1994، قبل أن يحل محله اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا "USMCA" في 2020.
وفي يوليو (تموز) الماضي، رفضت واشنطن تمديد الاتفاق لمدة 16 عاماً إضافية خلال مراجعته المشتركة، ليبقى الاتفاق سارياً مع دخوله مسار مراجعات سنوية.

وتظهر بيانات مكتب الممثل التجاري الأمريكي أن الولايات المتحدة صدّرت إلى كندا سلعاً بقيمة 333.6 مليار دولار أمريكي في 2025، إلى جانب خدمات بقيمة 92.3 مليار دولار، فيما وصل إجمالي تجارة السلع والخدمات بين البلدين إلى 872.3 مليار دولار.
وأيضاً، استوردت الولايات المتحدة سلعاً كندية بقيمة 381.9 مليار دولار في 2025، مسجلة عجزاً سلعياً بـ48.3 مليار دولار، لكنها حققت في المقابل فائضاً في تجارة الخدمات مع كندا بلغ 27.7 مليار دولار، وفق مكتب الممثل التجاري الأمريكي.
الصناعة الأمريكية مهدها كندي
ويتجلى تعاون البلدين في قطاعي السيارات والطاقة. ففي الأول، تتحرك المكونات والمحركات والمواد الخام عبر الحدود ضمن سلسلة إنتاج واحدة قبل اكتمال المركبة، فيما ترتبط مصانع أمريكية بمكونات وتجميع كندي.
وفي الطاقة، تصل قيمة التجارة بين البلدين 137 مليار دولار في 2025، منها 111 مليار دولار واردات أمريكية من كندا، مقابل 26 ملياراً في الاتجاه الآخر، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
ويمتد الاعتماد إلى النفط والغاز والكهرباء، إذ شكل النفط الخام 69% من قيمة تجارة الطاقة بين البلدين، فيما جاءت 67% من قيمة تجارة الكهرباء الثنائية من صادرات كندية إلى الولايات المتحدة. وتمثل كندا السوق الأولى لصادرات 32 ولاية أمريكية، والأولى أو الثانية لـ44 ولاية، ما يجعل أي اضطراب تجاري واسع ممتداً إلى شركات ومصانع على جانبي الحدود.

وفي حديث خاص لـ"24"، يرى أحمد معطي، الخبير المصري في الشأن الاقتصادي الأمريكي، أن "المكسب الأساسي لكندا من التقارب الأوروبي يتمثل في تنويع الأسواق وتخليها عن المظلة الأمريكية، خصوصاً بعدما تحولت الرسوم الجمركية إلى أداة ضغط في السياسة التجارية الأمريكية".
ويضيف أن "كندا تحتاج إلى فتح منافذ جديدة أمام صادراتها، فيما تحتاج أوروبا بدورها إلى تنويع مصادر وارداتها، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة والصين، ما يجعل المصالح بين الطرفين متكاملة في المرحلة الحالية".
أوروبا.. الشريك التجاري الثاني
والاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لكندا بعد الولايات المتحدة، لا سيما وأن حجم تجارة السلع والخدمات بين الجانبين وصل إلى 130 مليار يورو في 2025، ويُمثل هذا الرقم قفزة نوعية بنسبة تفوق 81% مقارنة بـ2016، وهو العام الذي سبق البدء في التطبيق المؤقت لاتفاقية التجارة الشاملة "سيتا" (CETA) بين الطرفين، بحسب "يورونيوز".
ويرى معطي أن "المعادن الحيوية والطاقة والطيران والدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ستكون في مقدمة القطاعات المستفيدة من تعميق العلاقة بين أوروبا وكندا".
ويعزز هذا المسار ارتباط كندا ببرنامج "SAFE" الأوروبي للمشتريات الدفاعية، البالغة قيمته 150 مليار يورو، في مؤشر على اتساع الشراكة إلى ما يتجاوز التجارة.
ترامب يلوّح بوقف التجارة مع أوروبا بسبب كندا.. و"المفوضية" ترد - موقع 24هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتقليص التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي، إذا مضى في اقتراحه القاضي بمنح كندا صفة أول "عضو شريك" في التكتل.
لكن معطي يشير إلى أن هذا التحول، رغم وصفه بـ"الجوهري"، لا يعني انتقال كندا من السوق الأمريكية إلى الأوروبية، بل يمنح أوتاوا أسواقاً وخيارات أوسع، ويقلل مخاطر اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة.
ويستبعد الخبير نجاح الاتحاد الأوروبي من سحب البساط بالكامل من واشنطن، في ظل استحواذ السوق الأمريكية على الحصة الأكبر من الصادرات الكندية، إلى جانب القرب الجغرافي وتشابك شبكات النقل والطاقة وسلاسل الإنتاج بين البلدين. ووفق معطي "السيناريو الأقرب هو خفض الاعتماد والمخاطر الأمريكية، لا الاستغناء عن السوق بالكامل".