لا تتوقف تداعيات قرارات مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي عند حدود أكبر اقتصاد في العالم، بل تمتد إلى معظم الاقتصادات بدرجات متفاوتة، عبر حركة الدولار وتدفقات رؤوس الأموال وعوائد السندات وتكاليف الاقتراض.
ومع رفع الفدرالي، الأربعاء، أسعار الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75% - 4%، عادت البنوك المركزية والأسواق حول العالم إلى إعادة حساباتها، في ظل تأثير السياسة النقدية الأمريكية في أسعار العملات وكلفة التمويل والتضخم والاستثمار والنمو.
ركوب الموجة مع الفدرالي عالمياً يتجاوز حجم الاقتصاد الأمريكي إلى مكانة الدولار في النظام المالي. فبحسب "صندوق النقد الدولي"، شكّل الدولار 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في الربع الأول من 2026، مقابل 56.42% في آخر ربع مالي لـ2025، فيما بلغ إجمالي الاحتياطيات العالمية 13.1 تريليون دولار.

لماذا يتتبع العالم الفدرالي؟
وفي تصريحاته لـ24 قال الخبير الاقتصادي وائل أبو محيسن، إن "رفع أسعار الفائدة الأمريكية يصب في مصلحة الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، ويؤدي ارتفاع العائد إلى زيادة جاذبية السندات أمام المستثمرين، ويدفع جزءاً من السيولة بعيداً عن أسواق الأسهم باتجاه أدوات الدخل الثابت".
وأضاف أن ارتفاع العائد على "الأصول الدولارية" يزيد الطلب على الدولار مقارنة بعملات أخرى، إذ يميل المستثمرون ومديرو المحافظ إلى زيادة حيازاتهم من الأصول المقومة بالدولار بحثاً عن عوائد أعلى.
وبالعودة لأبحاث الفدرالي عن أثر انتقال السياسة النقدية الأمريكية إلى الخارج يتضح أنه يتم قنوات رئيسية تشمل أسعار الصرف العالمي والطلب والأوضاع المالية، فيما تلعب المكانة الدولية للدولار دوراً مهماً في تضخيم هذه التأثيرات.
"الفيدرالي" الأمريكي يرفع الفائدة 25 نقطة أساس ويلمح إلى زيادات لاحقة - موقع 24رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة، الأربعاء، في أول زيادة من نوعها منذ ثلاث سنوات، وألمح إلى مزيد من الزيادات في خلال الأشهر المقبلة.
الدولار وسلة من العملات
لا تُقاس قوة الدولار بعملة واحدة، ويقيس مؤشر الدولار الواسع لدى الفدرالي قيمته أمام عملات كبيرة من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وفق معادلات تستند إلى العلاقات التجارية.
وأوضح أبو محيسن، أن ارتفاع الدولار يمكن أن يفرض ضغوطاً على الاقتصادات الأخرى، خصوصاً الأسواق الناشئة والدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدولار في الاستيراد والتمويل، نتيجة ارتفاع كلفة الواردات وما يترتب عليها من "ضغوط تضخمية".
بعد أشهر من التثبيت.. الأسواق تراهن على رفع الفائدة - موقع 24تتجه أنظار الأسواق العالمية، اليوم الأربعاء، إلى قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وسط رهانات مرتفعة على عودة البنك إلى رفع أسعار الفائدة بعد أشهر من التثبيت، في تحول جديد فرضته عودة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة.
ماذا يحدث للأسهم والنمو والتجارة؟
تنتقل آثار الفائدة المرتفعة كذلك إلى أسواق الأسهم والاقتصاد الحقيقي من خلال ارتفاع كلفة الاقتراض والتمويل.
وأشار أبو محيسن إلى أن قطاعي التكنولوجيا والعقارات يأتيان ضمن القطاعات الأكثر حساسية لارتفاع أسعار الفائدة، نتيجة تأثرهما بزيادة كلفة التمويل. كما تواجه الشركات ذات المديونية المرتفعة ضغوطاً أكبر، لأن ارتفاع الفائدة يزيد كلفة ديونها والتمويلات الجديدة، بينما تكون الشركات المستقرة مالياً وذات مستويات الدين المنخفضة قادرة على استيعاب ارتفاع كلفة الاقتراض.
ويبرز قطاع العقارات بصورة خاصة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة كلفة الرهن العقاري والتمويل، بما ينعكس على الطلب والنشاط في السوق.
ويرى أبو محيسن أن استمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة يعزز جاذبية الدولار وسندات الخزانة والأصول المالية الأمريكية أمام المستثمرين العالميين، ما يؤدي إلى تحويل جزء من تدفقات رؤوس الأموال بعيداً عن "الأسواق الناشئة".
وأضاف أن ارتفاع العائد المتاح في الولايات المتحدة يجعل المستثمر يقارن بين المخاطر والعوائد في الأسواق الناشئة وبين الاستثمار في الأصول الأمريكية، ما يقلص تدفقات الاستثمار إلى الاقتصادات الناشئة كلما أصبحت العوائد الأمريكية أكثر جاذبية.
وتتوافق الآلية مع تحليل للفدرالي، يشير إلى أن ارتفاع العوائد الأمريكية (طويلة الأجل) يدفع المستثمرين الدوليين إلى إعادة توزيع محافظهم من الأصول الأجنبية إلى الأمريكية، بما يشدد الأوضاع المالية خارج الولايات المتحدة، ويؤدي تراجع الطلب الأمريكي إلى الضغط على وارداتها من الخارج.
"الفيدرالي" الأمريكي يرفع الفائدة 25 نقطة أساس ويلمح إلى زيادات لاحقة - موقع 24رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة، الأربعاء، في أول زيادة من نوعها منذ ثلاث سنوات، وألمح إلى مزيد من الزيادات في خلال الأشهر المقبلة.
المعادلة الأصعب: الدولار أم التضخم؟
هنا تواجه البنوك المركزية "معادلة دقيقة" بين حماية العملة وكبح التضخم من جهة، وتجنب الإضرار بالنمو والاستثمار من ناحية أخرى.
وقال أبو محيسن إن "البنوك المركزية تواجه معادلة دقيقة تجمع بين دعم استقرار العملة، وإدارة الاحتياطيات، وكبح التضخم، وفي الوقت نفسه حماية النمو والاستثمار من آثار التشديد النقدي المفرط.
وأوضح أن قدرة البنك المركزي على إدارة هذه المعادلة تعتمد على مرونته في استخدام أدوات السياسة النقدية وإدارة الاحتياطيات ومكونات سلة العملات لديه، بما يسمح بالتكيف مع تغير أسعار الفائدة العالمية والحفاظ على التوازن بين استقرار الأسعار ومتطلبات النشاط الاقتصادي.
وتصبح المعادلة أكثر مباشرة في الاقتصادات ذات العملات المرتبطة بالدولار. على سبيل المثال لا الحصر، رفع المصرف المركزي الإماراتي سعر الأساس 25 نقطة أساس من 3.65% إلى 3.90%، اعتباراً من 17 سبتمبر، عقب قرار الفدرالي الأمريكي، وتبعته بنوك مركزية خليجية وعربية في قطر، السعودية، الأردن، البحرين، وإلى سلطة النقد في هونغ كونغ وهو ما يبرز أن التأثير يمتد عبر الحدود بفعل الدور المحوري للدولار في الاحتياطيات والتجارة والتمويل العالمي، وكل حركة في (أسعار الفائدة الأمريكية) جزء من معادلة أوسع تواجهها الاقتصادات في إدارة عملاتها والتضخم وتدفقات رؤوس الأموال والنمو.
