انخفض الروبل الروسي مقابل الدولار الأمريكي ليصل إلى 84 روبلاً، بزيادة قدرها 8 كوبيكات. ورغم أن نسبة التراجع لا تتجاوز 1%، إلا أن هذا التغير يكشف كواليس تسعير العملة الروسية داخل بيئة مالية فقدت بورصتها الرسمية للتداول بالدولار واليورو إثر العقوبات الأمريكية والأوروبية، فكيف ينعكس ذلك على الاقتصاد الروسي؟

تُظهر البيانات المالية الصادرة عن "تريدينغ إيكونوميكس" هبوط الروبل ليصل إلى 84.35 روبل للدولار، بعدما كان قد سجل ذروة ثلاث سنوات قرب مستوى 71 روبلاً في 28 مايو(آيار) 2025. ولم تكن هذه المحطة هي الأولى في مسار التراجع؛ إذ لامس الروبل مستويات 87.5 للدولار، وهو الأدنى منذ مارس(آذار) 2025.

​ووفقاً لاستطلاع أجراه البنك المركزي الروسي وشمل عدداً من المحللين، فإن التوقعات تشير إلى تسجيل متوسط سعر الصرف عند 79.9 روبل للدولار بنهاية 2026، ليواصل تراجعه إلى 88.8 روبل في 2027، ووصولاً إلى 94 روبلاً بحلول 2028.

​التسعير المباشر 

و​عقب فرض العقوبات الأمريكية في يونيو (حزيران) 2024 والتي استهدفت بورصة موسكو ومقاصتها المالية، توقف تداول الدولار واليورو رسمياً داخل البورصة، ما أدى إلى انتقال آليات التسعير بالكامل إلى الشاشات الموازية وسوق التداول خارج البورصة.

​وفي ظل هذه المعطيات، يتحول تحديد السعر الرسمي إلى قرار إداري يستند إلى قراءات السوق؛ حيث يصدر البنك المركزي قائمة الأسعار الرسمية اليومية لتظل نافذة حتى الأوامر التالية، وتُستخدم كمرجع أساسي للمحاسبة والتسويات الرسمية.

وأوضح معهد بوفيت الفنلندي للأبحاث، أن البنك المركزي الروسي يجمع بيانات الصفقات المنفذة يومياً عبر البنوك التجارية لحساب سعر صرف الدولار واليورو. وتتلخص التحديات في غياب أسعار معلنة لحظياً، ما يؤدي إلى توسيع الفروق بين أسعار الشراء والبيع.

​واعتباراً من 27 ديسمبر (كانون الأول) 2024، يُطبق البنك المركزي آلية حسابية تجمع بيانات السوقين المنظم وخارج البورصة. ووفق تقارير البنك، فإن متوسط الانحراف المالي لبيانات التداول خارج البورصة لم يتجاوز 0.01% للدولار و0.03% لليورو في الفترة الممتدة بين مطلع 2023 ويونيو (حزيران) 2024.

وأصبحت العملة الصينية اليوان هي الأكثر تداولاً مقابل الروبل بحصة 54% من إجمالي السوق في مايو(آيار) 2024، لتتحول إلى المقياس الأول لتوجهات الصرف المحلية.

​أدوات الضبط وتدفقات السيولة

و​لا تخضع حركة الروبل للآليات التنافسية الحرة للطلب والعرض، بل تُدار عبر سياسات نقدية وإدارية موجهة تتمثل في ​إلزام كبار المصدرين بالبيع: تفرض الحكومة ضوابط تنظيمية تلزم كبار المصدرين بتحويل حصص محددة من عائدات الصادرات بالعملات الأجنبية إلى الروبل في السوق المحلي لتأمين تدفقات النقد الأجنبي وشراء الروبل بشكل مستمر، بحسب صحيفة "موسكو تايمز".

​كما تُنفّذ السلطات المالية ضوابط صارمة تحد من خروج الأموال للأفراد والشركات خارج البلاد، مع وضع سقوف لتمويلات العملات الأجنبية لتفادي السحوبات الفجائية لحماية الجهاز المصرفي.

​وإلى جانب ذلك يرفع البنك المركزي معدلات الفائدة إلى مستويات مرتفعة عند تصاعد الضغوط التضخمية للحد من التوسع الائتماني وتشجيع الادخار بالعملة المحلية، وتُحول العائدات الإضافية لمبيعات الطاقة لشراء العملات الأجنبية ودعم صندوق الثروة الوطني.

وأدى التوسع في الاعتماد على اليوان الصيني إلى إيجاد بيئة تسوية موازية لتغطية الواردات والصادرات، مما خفف الطلب المباشر على الدولار واليورو.

كيف ينعكس ذلك على الاقتصاد الروسي؟ ​

يعد خفض الروبل أداة ذات تأثير مزدوج على هيكل الاقتصاد الروسي، تتمثل في مكاسب مالية للميزانية والمصدرين أولاً، حيث تباع إيرادات الصادرات النفطية بالعملات الأجنبية بينما تُقوّم النفقات المحلية بالروبل، وبالتالي يؤدي انخفاض الروبل إلى زيادة الحصيلة الإجمالية المقومة بالعملة المحلية. 

ويرى الاقتصادي أوليغ إتسخوكي من جامعة هارفارد، أن إضعاف الروبل يشكل أداة لامتصاص عجز الموازنة، خاصة بعد أن وصل العجز في الربع الأول إلى 4.6 تريليون روبل متجاوزاً المستهدف السنوي كاملاً. 

كما يسهم انخفاض العملة في خفض التكاليف التشغيلية المقومة بالروبل لشركات القطاع الاستخراجي والصناعي، ما يعزز أرباحها والتحصيلات الضريبية المترتبة عليها.

ولكن في المقابل، يتسبب ضعف الروبل في زيادة أسعار الواردات المستوردة ومستلزمات الإنتاج، ما ينعكس على أسعار السلع للمستهلك النهائي. ووصل معدل التضخم السنوي إلى 6.3% في 7 سبتمبر(أيلول)، بعدما قفز إلى 11.6% على أساس سنوي في يوليو(تموز) الماضي، وسط استمرار التوقعات المرتفعة لمعدلات التضخم خلال الفترة القادمة.