خلال 10 أيام فقط، انتقل الجدل داخل كبرى شركات الذكاء الاصطناعي من التنافس على إطلاق النماذج الأكثر قوة إلى التساؤل عن القدرة على مراقبتها والسيطرة عليها، بعد الكشف عن اختراق أنظمة خارجية، وإقرار "أوبن إيه آي" بتزايد صعوبة فهم قدرات نماذجها، ودعوة قادة في القطاع إلى إخضاع الأنظمة لاختبارات خارجية.
ورغم تصاعد التحذيرات، لم يتوقف سباق الإطلاق، مدفوعاً بطموحات جمع التمويل واحتمال طرح أسهم "أوبن إيه آي" للاكتتاب العام، وفق تقرير لوكالة "رويترز".
مخاوف داخلية متصاعدة
لسنوات، اتبع سباق تطوير الذكاء الاصطناعي مبدأ وادي السيليكون الشهير: "تحرّك بسرعة واكسر الأشياء". لكن سلسلة من التطورات المتلاحقة وضعت شركات القطاع أمام مخاوف من أن تتجاوز المخاطر حدود الأخطاء التقنية التقليدية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، سُئل الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي" سام ألتمان عما إذا كان يشعر، بصفته قائداً لشركة تطور أنظمة قوية، بأنه يشبه عالم الفيزياء روبرت أوبنهايمر، الذي قاد تطوير القنبلة الذرية الأمريكية.
وقال ألتمان إن تأثير الذكاء الاصطناعي: "سيغير مسار تاريخ البشرية على مدى فترة زمنية طويلة"، مؤكداً أنه يشعر بثقل المسؤولية.
إطلاق نموذج أسترا
وبدأت التطورات في 3 سبتمبر (أيلول)، عندما أعلنت "أوبن إيه آي" إطلاق نموذجها الجديد "أسترا".
وقال رئيس الشركة غريغ بروكمان خلال الإعلان: "مرحباً بكم في عصر الذكاء الاصطناعي العام". لكن الشركة كانت قد أقرت قبل ذلك بلحظات بأنها تواجه صعوبة متزايدة في التحكم بالأنظمة التي تطورها وتطرحها للجمهور، وحتى في مراقبتها.
وقال كبير العلماء في "أوبن إيه آي" جاكوب باتشوكي، إن فهم ما تستطيع النماذج فعله يصبح أكثر صعوبة كلما ازدادت قدراتها، إلا أن هذه المخاوف لم تؤد إلى تأجيل إطلاق "أسترا".
ويشير مصطلح الذكاء الاصطناعي العام (AGI) إلى نظام افتراضي يستطيع أداء نطاق واسع من المهام الذهنية بمستوى يماثل الإنسان أو يتجاوزه.
وحذر باحثون من أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام قد يكون أقرب مما كان متوقعاً، وربما يحدث خلال ثلاث سنوات، ما أثار مخاوف سياسيين وقادة في قطاع التكنولوجيا بشأن القدرة على السيطرة على الأنظمة المتقدمة.
اختراق أنظمة خارجية
وكشفت "أوبن إيه آي" أن عملاء ذكاء اصطناعي تابعين لها خرجوا من بيئة اختبار خاضعة للرقابة واخترقوا أنظمة منصة "هاغينغ فيس"، دون علم الشركتين في البداية.
ويقصد بعملاء الذكاء الاصطناعي هنا الأنظمة القادرة على تنفيذ سلسلة من المهام بصورة شبه مستقلة، وليس مستخدمي الشركات أو زبائنها.
وأعلنت "أوبن إيه آي" لاحقاً عن هجمات أخرى من هذا النوع، بعدما أظهرت تقارير إعلامية، بينها تقارير لرويترز، نطاقاً أوسع من النشاط غير المصرح به.
وأثارت اعترافات الشركة بشأن صعوبة مراقبة نماذجها، بالتزامن مع إطلاق "أسترا"، مزيداً من القلق داخل قطاع التكنولوجيا، لكنها لم تكن كافية لتأجيل طرح النموذج.
اختبارات خارجية مستقلة
وأعلن عدد من رؤساء أكبر مطوري الذكاء الاصطناعي، بينهم إيلون ماسك من "إكس إيه آي"، وسام ألتمان من "أوبن إيه آي"، وديميس هاسابيس من "غوغل ديب مايند"، دعمهم منح جهات خارجية إمكانية الوصول إلى أنظمتهم لاختبار سلامتها.
ورفض الرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا" جنسن هوانغ اقتراحات وقف تطوير الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن الأنظمة الأكثر قوة ضرورية للتقدم التكنولوجي.
كما رأى رئيس "ميتا" مارك زوكربيرغ، أن كل مختبر يجب أن يحدد وتيرة عمله بنفسه، بدلاً من السعي إلى تنسيق موحد على مستوى الصناعة.
وقال زوكربيرغ إن المختبرات تواجه مسؤولية كبيرة إذا تسببت نماذجها في أضرار، ولذلك لديها حافز قوي لمنع وقوعها.
سباق سياسي دولي
في المقابل، يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من المستثمرين أن تطوير الذكاء الاصطناعي ضروري لتعزيز قوة الولايات المتحدة، ويمثل فرصة استثمارية استثنائية.
ووصف ترامب المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بأنها "خدعة"، معتبراً أن أي تباطؤ أمريكي سيصب في مصلحة الصين.
ولم يحقق الكونغرس الأمريكي تقدماً كبيراً في مشروعات القوانين المنظمة للذكاء الاصطناعي، بينما اقترحت الصين نهجاً يقوم على إلزام المطورين بمعايير مدعومة من الدولة، وإجراء تقييمات أمنية واختبارات خارجية.
التمويل يفرض إيقاعه
ويرتبط تسارع إطلاق النماذج جزئياً برغبة "أوبن إيه آي" في طرح أسهمها للاكتتاب العام خلال الأشهر المقبلة، وسط تقديرات بأن يتجاوز تقييم الطرح تريليون دولار.
وبحسب رويترز، أسهمت طموحات الطرح العام وآفاق جمع التمويل في استمرار دورة الإطلاق السريعة، رغم تصاعد التحذيرات المتعلقة بالسلامة.
ورغم تأييد "أوبن إيه آي" إجراء اختبارات خارجية على الأنظمة، لم تظهر مؤشرات إلى تراجع ثقة المستثمرين، إذ تدرس الشركة جولة تمويل جديدة قد تضاعف تقييمها.
تحدي القرن الأكبر
وقال رئيس الذكاء الاصطناعي في "مايكروسوفت" مصطفى سليمان لرويترز: "كلنا نركز على الهدف نفسه، وهو محاولة السيطرة على ذكاء فائق".
واعتبر سليمان أن السيطرة على الذكاء الفائق ستكون أعظم تحدٍ يواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين.