باتت عوائد السندات الأمريكية منافساً حقيقياً للأصول ذات المخاطر العالية، لا سيما بعدما تخطى عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حاجز 5% في سبتمبر (أيلول)، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023. 

ورغم هذا التحول، يرى بنك "غولدمان ساكس" أن الفرصة الاستثمارية الأوفر حظاً لا تزال تكمن في قطاع الذكاء الاصطناعي، وبالأخص في أسهم الشركات التي توفر البنية التحتية للحوسبة ومراكز البيانات اللازمة لتشغيل هذه التقنيات.

العوائد لا تكفي لإغراء "غولدمان ساكس"

أوضح أنشول سيغال، الرئيس العالمي المشارك لقسم الدخل الثابت والعملات والسلع في "غولدمان ساكس"، أن عوائد السندات طويلة الأجل القريبة من 5% أضحت خياراً مغرياً للمستثمرين الباحثين عن تدفقات نقدية مستقرة، غير أنه يرى في المقابل أن هذا العائد لا يُقارع العوائد المحتملة من الاستثمار في البنية التحتية للحوسبة.

ويُفضل سيغال توجيه رؤوس الأموال نحو ما أسماه "الاستثمار في الحوسبة"، والذي يشمل المزودين المتخصصين في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات؛ حيث تمنح هذه الأصول مساحة أكبر للنمو وارتفاع القيمة، على الرغم من اتسامها بمخاطر أعلى واعتمادها المكثف على التمويل مقارنة بآلية السندات.

وفي السياق ذاته، تشير تقديرات "غولدمان ساكس" إلى أن الذكاء الاصطناعي ينتقل حالياً من طور التجارب الأولى إلى مرحلة التشغيل الفعلي، في ظل استمرار الفجوة بين الطلب المتنامي على القدرات الحاسوبية وشح المعروض منها.

الذكاء الاصطناعي يقتحم أدوات الدين

تتجلى الاحتياجات التمويلية الضخمة للقطاع بوضوح في سوق الدين نفسها؛ ففي سبتمبر (أيلول) 2026، كشفت شركة "CoreWeave" عن طرح سندات قابلة للتحويل بقيمة 3 مليارات دولار، مع إمكانية زيادة الإصدار بقيمة 500 مليون دولار إضافية. 

وذكرت الشركة أن حصيلة الطرح ستُوجه لأغراض عامة، مما يعكس النهج المتزايد لشركات الحوسبة في جمع سيولة ضخمة لدعم توسعاتها.

وبعد يومين فقط من صدور رؤية "غولدمان ساكس"، ظهرت شواهد أعمق على حجم التدفقات المالية القادمة للقطاع؛ حيث أطلقت مجموعة "سوفت بنك" طرح سندات بقيمة 11 مليار دولار لتغطية استثمار بقيمة 10 مليارات دولار في شركة "OpenAI"؛ وفق "رويترز". 

وفي حال اكتمال الإصدار بحجمه المستهدف، سيسجل أكبر طرح سندات لشركة غير مالية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ واليابان على الإطلاق.

تحفيز التمويل

المفارقة هنا أن بيئة الفائدة المرتفعة لم تحرم الذكاء الاصطناعي من تدفقات الأموال؛ إذ يرى أنشول سيغال أن ارتفاع الفائدة يعيد توزيع الدخل لصالح المدخرين وحائزي الأصول، مما يعزز إعادة ضخ هذه السيولة في شرايين الاقتصاد عبر قنوات الإقراض والاستثمار.

في المقابل، يُحذر غولدمان ساكس من أن تشديد السياسة النقدية قد يلقي بظلاله على مستويات الاستهلاك وأداء أسواق الأسهم بمفهومها الأوسع، لا سيما مع تجدد جاذبية السندات التي توفر عائداً مرتفعاً دون تعريض رأس المال لمخاطر عالية.

وعلى صعيد السندات طويلة الأجل، يتوقع سيغال أن تشهد عوائدها تراجعاً تدريجياً عن مستوياتها الراهنة، مستبعداً العودة إلى العوائد المنخفضة جداً؛ استناداً إلى تقديراته بأن النمو الاسمي للاقتصاد الأمريكي سيظل أعلى من 5%.

وبناءً عليه، يستنتج "غولدمان ساكس" أن صعود عوائد السندات لم يطمس جاذبية الذكاء الاصطناعي، بل إن المبالغ المطلوبة لتشييد البنية التحتية للحوسبة ومراكز البيانات أصبحت في حد ذاتها الركيزة الأساسية للفرصة الاستثمارية.