مع تقدم السكان في العمر واتساع عبء الأمراض المزمنة، تتجه الرعاية الصحية من نموذج يتدخل بعد ظهور المرض إلى منظومة تستشعر المخاطر وتتنبأ بها وتتدخل مبكراً، مستفيدة من الجينوم والذكاء الاصطناعي والبيانات الصحية والطب الدقيق لزيادة السنوات التي يعيشها الإنسان بصحة جيدة.

في هذا الصدد، تشير ورقة بحثية حول "مستقبل الحياة الصحية المديدة: كيف تبني أبوظبي منظومة صحية تضع إطالة العمر وجودة الحياة في مقدمة أولوياتها"، أعدتها "مستقبل الصحة – مبادرة عالمية من أبوظبي" بالتعاون مع إرنست آند يونغ (EY)، الشركة العالمية المتخصصة في الاستشارات والخدمات المهنية، إلى "أن ما يصل إلى 27% من سنوات العمر الإضافية عالمياً قد يقضيها الأفراد في حالة صحية متدهورة، فيما تمثل الأمراض غير السارية، مثل: السرطان، السكري، أمراض القلب والأوعية الدموية، الأمراض التنفسية المزمنة، نحو 55% من إجمالي الوفيات في الإمارات، وتقدر تكلفة الأمراض المزمنة بنحو 39.9 مليار درهم سنوياً (10.9 مليار دولار)".

وتكشف تجارب دولية مختلفة أن هذا التحول بدأ ينتقل من الرؤى والاستراتيجيات إلى التطبيق، عبر مسارات تشمل إدخال الجينوم إلى الممارسة السريرية، وتحويل الوقاية إلى جزء من الرعاية، واعتماد سنوات الحياة الصحية مؤشراً للسياسة الصحية، وبناء قواعد بيانات تربط الجينات بالسجلات الطبية والبيانات الحياتية.

الإمارات.. من قراءة المخاطر إلى إعادة هندسة الرعاية

في دولة الإمارات، وتحديداً في العاصمة أبوظبي، تتقاطع هذه المسارات تحت مفهوم "العمر المديد"، لكن القيمة الأساسية للنموذج لا تكمن في تبني كل تقنية على حدة، بل في ربطها داخل مسار صحي واحد؛ يبدأ بالبيانات، وينتهي بتدخل أكثر دقة وفي وقت أبكر.

وتشير الدكتورة نورة خميس الغيثي، وكيل دائرة الصحة في أبوظبي، عبر حديثها لـ24، إلى أن الذكاء الاصطناعي يغير نقطة التدخل في الرعاية الصحية، من التعامل مع المرض بعد ظهوره إلى استشعار المخاطر والتنبؤ بها والتدخل قبل تفاقمها، موضحة أن ذلك يأتي عبر تحليل نطاق واسع من البيانات الصحية، من المعلومات الجينومية والسجلات السريرية إلى المؤشرات الحيوية وصور الأشعة وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء.

وتستطرد الغيثي: "يوفر برنامج الجينوم الإماراتي قاعدة وراثية واسعة تدعم فهم عوامل الخطر والاضطرابات الوراثية، أما "منصة "ملفي"، التي تربط أكثر من 2700 منشأة صحية؛ تمثل طبقة البيانات السريرية التي تسمح بربط التاريخ الطبي للمريض بالمعلومات التي تنتجها هذه التقنيات".

من البيانات إلى التدخل المبكر

و"دشنت دائرة الصحة في أبريل(نيسان) 2026 "بنك أبوظبي الحيوي"، الذي يربط العينات الحيوية بالبيانات الوراثية والسريرية وبيانات أنماط الحياة، بطاقة تصل إلى خمسة ملايين عينة حيوية وأكثر من 100 ألف عينة من دم الحبل السري". وفقاً لدائرة الصحة – أبوظبي.

و"أطلقت "صحة أبوظبي" في أغسطس(آب) 2025، برنامج الفحوصات الجينية لحديثي الولادة باستخدام التسلسل الجيني الكامل، لفحص أكثر من 815 حالة وراثية قابلة للعلاج لدى الأطفال". وفقاً للدائرة.

بيانات الجينوم والذكاء الاصطناعي.. كيف تتنبأ الإمارات بالمخاطر الصحية؟ - موقع 24تتجه دولة الإمارات إلى تطوير منظومة صحية أكثر استباقية، توظف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتقنيات الجينوم والطب الدقيق للتنبؤ بالمخاطر الصحية ورصد أعراضها في مراحل مبكرة، بما يعزز القدرة على التدخل الوقائي قبل تطور الأمراض أو حدوث مضاعفات.

اقتصاد جديد للصحة

ويرى فادي سميرات، رئيس قطاع خدمات استشارات الرعاية الصحية وعلوم الحياة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى (EY)، أن العالم يشهد صعود اقتصاد جديد يتمحور حول "العمر المديد"، مدفوعاً بالتقدم في التكنولوجيا الحيوية والصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي والعلاجات المتقدمة.

وفي تصريحاته لـ24، يؤكد أن أبوظبي تجمع عناصر أساسية لهذا التحول، تشمل البنية التحتية للبيانات الصحية، وبرامج الجينوم، والقدرات البحثية والبيئة التنظيمية الداعمة للابتكار، بما يسمح بربط البحث العلمي بالبيانات والتكنولوجيا ونقل الحلول من مرحلة الاكتشاف إلى التطبيق.

خاص 24| الإمارات تُراهن على "اقتصاد العافية" وتتحول لمركز إقليمي - موقع 24في الإمارات، تكبر صناعة كاملة حول سؤال بسيط: كيف نحافظ على صحة الإنسان قبل أن يحتاج إلى العلاج؟ ويظهر جزء من الإجابة في سوق اللياقة والعافية التي توسعت قيمتها سريعاً، ثم بدأت تستقطب شركات تطور برمجيات التدريب والأجهزة القابلة للارتداء وتحليل البيانات، فيما تتحول الصحة الرقمية المعززة بالذكاء ...

سنغافورة.. الجينوم ينتقل من المختبر إلى العيادة

تتحرك سنغافورة من بناء قواعد البيانات الجينومية إلى إدخالها في مسارات الرعاية الصحية، فبعد إنجاز مرحلة شملت 100 ألف مشارك، أطلقت المرحلة الثالثة من البرنامج الوطني للطب الدقيق، مستهدفة إضافة 400 ألف إلى 450 ألف مشارك، ليتخطى إجمالي المشاركين 500 ألف شخص، بما يعادل نحو 10% من السكان المقيمين، وفق وزارة الصحة السنغافورية.

ولا يتعامل البرنامج مع الجينوم كأداة بحثية منفصلة؛ فالبيانات الجينية والسريرية تستهدف إنتاج أدلة محلية تساعد على اتخاذ قرارات وقائية وعلاجية أكثر دقة، وإدماج الطب الدقيق في الرعاية الصحية السائدة.

وبالتوازي، تطور وزارة الصحة نماذج ذكاء اصطناعي مدربة على الإرشادات السريرية والبيانات المحلية، بما فيها السجلات والصور الطبية، لتحديد المرضى المعرضين للخطر واقتراح مسارات رعاية للأطباء، مع تركيز أولي على أمراض القلب والتمثيل الغذائي والعيون.

خاص 24| الذكاء الاصطناعي يفك ألغاز الأمراض النادرة.. والطبيب يحسم التشخيص - موقع 24في الأمراض النادرة، قد يكون الوصول إلى اسم المرض نصف المعركة؛ فسنوات من الفحوصات، وزيارة أطباء من تخصصات مختلفة، ونتائج تبدو أحياناً متعارضة، يمكن أن تترك المريض أمام سؤال واحد يتكرر كل مرة: ما الذي يحدث لي؟

اليابان.. سنوات الحياة الصحية تصبح مؤشراً

أما اليابان، تضع "سنوات الحياة الصحية" ضمن إطار وطني طويل الأمد لتحسين صحة السكان، من خلال المرحلة الثالثة من برنامج "Health Japan 21"، الممتدة من 2024 إلى 2035.

ويركز البرنامج على إطالة سنوات الحياة الصحية وتقليص الفوارق الصحية، عبر محاور تشمل التغذية، والنشاط البدني، والامتناع عن التدخين، والفحوص الطبية، والنوم، وصحة النساء، مع تحويل هذه الأولويات إلى أهداف وإجراءات تنفذ بالتعاون مع الحكومات المحلية والجهات الصحية والمجتمع، وفق وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية اليابانية.

وتوضح البيانات الرسمية اليابانية الفارق القائم بين متوسط العمر والعمر الصحي؛ ففي 2022 بلغ الفرق نحو 8.49 سنوات للرجال و11.63 سنة للنساء، ما يجعل تضييق هذه الفجوة جزءاً من الهدف الصحي الوطني.

الولايات المتحدة.. البيانات بنية للطب الشخصي

وفي الولايات المتحدة، يبرز برنامج "All of Us" التابع للمعاهد الوطنية للصحة كنموذج لبناء قاعدة بيانات واسعة للطب الشخصي، تجمع المعلومات الجينومية بالسجلات الصحية والقياسات الجسدية والبيانات المتعلقة بالسلوك والظروف المحيطة.

وفي يونيو (حزيران) 2026، أتاحت المبادرة بيانات لأكثر من 747 ألف مشارك، بينها أكثر من 535 ألف تسلسل كامل للجينوم مرتبط بنحو 482 ألف سجل صحي إلكتروني، فيما تخطى إجمالي المشاركين المسجلين 883 ألفاً، وفق المعاهد الوطنية للصحة.

وتكمن أهمية النموذج في الجمع بين الجينوم والتاريخ الطبي والقياسات الصحية والسلوك والبيئة ضمن قاعدة واحدة، بما يوسع قدرة الباحثين على فهم الروابط بين هذه العوامل والنتائج الصحية، ويدعم تطوير تدخلات أكثر تخصيصاً.