سجلت عملة "بتكوين" صعوداً قياسياً، متجاوزة حاجز 85 ألف دولار للمرة الأولى منذ أواخر يناير(كانون الثاني) الماضي.

ويأتي الارتفاع القوي ليعزز الآمال بانتهاء ما يُعرف بـ"الشتاء الرقمي"، وهو الطور الهبوطي الذي خيم على السوق عقب تسجيل العملة قمتها التاريخية عند مستويات قاربت 126000 دولار في أكتوبر من العام الماضي 2025.

وبحسب قراءات التداول اللحظية، قفزت البتكوين 5.08% لتلامس مستوى 85299 دولاراً، قبل أن تشهد عمليات جني أرباح طفيفة، مستقرة أعلى نطاق الـ85000 دولار.

صعود شامل

ولم تكن البتكوين وحدها في ساحة المكاسب، بل امتدت الموجة الخضراء لتشمل القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة، التي استعادت مستويات 2.8 تريليون دولار، مصحوبة بارتفاع عملة "إيثريوم" 3.81% لتتداول عند 2746 دولاراً.

وتُظهر البيانات التحليلية الصادرة عن منصات الرصد المالي أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات شرائية ذكية خلال الأسابيع الأخيرة؛ حيث ارتفعت العملة بنسبة تخطت 7% خلال الأيام الخمسة الأخيرة، وحققت قفزة تقارب 35% على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، مرتفعة من القاع الذي سجلته في يوليو عند مستويات 58 ألف دولار.

سوق المشتقات

وفي سوق المشتقات والخيارات، شهدت منصة "ديريبت" المتخصصة في خيارات العملة الرقمية، زيادة كبيرة في العقود المفتوحة لخيارات الشراء، إذ بلغت أكثر من 272 ألف عقد شراء، مقابل 154 ألف عقد بيع فقط، ما يعكس هيمنة النبرة التفاؤلية الصاعدة بين كبار المتداولين.

وتتداخل عدة عوامل اقتصادية لتفسير الاختراق السعري الجديد الذي حققته البتكوين، ويأتي في مقدمتها التدفقات المؤسسية وصناديق الاستثمار المتداولة في الولايات المتحدة، التي تلعب دور الرافعة المالية الأساسية في هذه الموجة؛ إذ سجلت هذه الصناديق صافي تدفقات واردة بلغت 435 مليون دولار في نهاية الأسبوع الماضي وحده، ما يعكس تجدد شهية الصناديق الاستثمارية الكبرى لإعادة موازنة محافظها وضخ السيولة في الأصول المشفرة.

امتصاص الصدمات

كما أثبتت العملة المشفرة قدرة لافتة على امتصاص الصدمات السلبية؛ فخلال الأسبوع الماضي، نجح السوق في استيعاب إخفاق الكونغرس الأمريكي في تمرير قانون الوضوح التنظيمي للعملات المشفرة، وتفاعل بمرونة مع توجهات الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة، وجاء الضوء الأخضر من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية للسماح ببدء تداول نسخ رقمية من الأوراق المالية ليعيد الثقة بشكل كامل إلى الأسواق الفورية.

ومن جانب الاقتصاد الكلي، ساهم التراجع النسبي في أسعار النفط الخام عالمياً، إلى جانب هدوء عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، في تخفيف قيود التضخم والسيولة في الأسواق العالمية، الأمر الذي منح المستثمرين مساحة أكبر للتوجه نحو أصول المخاطر العالية.

وقاد الارتفاع السريع والمفاجئ لأسعار البتكوين إلى ما يُعرف مالياً بـ"عصرة البيع القصير"؛ إذ أُجبر المضاربون الذين راهنوا على هبوط العملة على إغلاق مراكزهم عبر شراء البتكوين من السوق الفورية لتغطية خسائرهم.

وتشير تقارير منصات البيانات الفنية إلى تصفية مراكز بيع مكشوف بقيمة تخطت 647 مليون دولار في غضون 24 ساعة، ما تسبب في تسارع وتيرة الصعود وتجاوز حواجز المقاومة الفنية بيسر وسهولة.

بين تفاؤل وحذر

وتنقسم آراء المؤسسات المالية حيال هذا الارتفاع بين من يرى فيه بداية لدورة صعود ممتدة، ومن يحذر من تقلبات قادمة.

وفي المعسكر التفاؤلي، صرّح مات هوجان، رئيس الاستثمار في مؤسسة بيتوايز لخدمات الأصول الرقمية، لشبكة سي إن بي سي، "أن الشتاء الرقمي قد انتهى رسمياً، وأن السوق يشهد الآن تفتح زهور الربيع المشفر".

وأضاف أن "المتغير الأساسي هنا هو أن التحسن الهيكلي في الأساسيات - مثل زيادة حجم المعاملات عبر البلوكشين وانخراط كيانات عملاقة مثل بلاك روك - كان يحدث بانتظام حتى أثناء تراجع الأسعار دورياً، والآن بدأت الأسعار تلحق بالأساسيات، ما يمهد الطريق لواحد من أطول وأقوى الأسواق الصاعدة في تاريخ العملات الرقمية".

من جهتها، تشير تحليلات خبراء أسواق المشتقات في مجموعة "سي إم إي" المالية، إلى أن التوقعات تضع احتمالاً بنسبة 53% لرفع أو تثبيت الفيدرالي لمعدلات الفائدة في اجتماعات الخريف، ما يجعل سوق "الكريبتو" يتحرك بحذر، ترقباً لأي نبرة تشددية من مسؤولي البنك المركزي الأمريكي.

وعلى الجانب الآخر، تبدي بعض المؤسسات الدولية التقليدية تحفظها المعهود؛ حيث يرى محللو المخاطر في بيوت الاستثمار الأوروبية أن غياب محفزات تنظيمية قاطعة، واستمرار بقاء عوائد السندات الحكومية عند مستويات جاذبة، قد يدفع "رالي البتكوين" الحالي نحو منطقة "الإنهاك الفني".

المستويات المرتقبة

ومن الناحية التقنية الصرفة، يشير الخبراء الماليون في إف إكس ستريت إلى أن نجاح البتكوين في الإغلاق اليومي والأسبوعي أعلى مستويات 83000 و84000 دولار يعد تأكيداً فنياً على انتهاء الاتجاه الهابط.

وتتجه الأنظار حالياً نحو المستهدف النفسي والفني القادم، والمتمثل في مستويات 90000 دولار كخطوة أولى، تليها محاولة استعادة مستويات الـ97000 دولار التي سُجلت في منتصف يناير الماضي، تمهيداً لرحلة طويلة لكسر القمة التاريخية السابقة.

لكن يبقى التحدي الأكبر لأسواق العملات المشفرة في هذه المرحلة هو قدرتها على جذب سيولة التجزئة والمستثمرين الصغار؛ إذ لا تزال الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا أشباه الموصلات تستقطب الحجم الأكبر من رؤوس الأموال المضاربية في "وول ستريت"، ما يضع البتكوين في منافسة مباشرة على السيولة الذكية المتاحة في الاقتصاد العالمي لضمان استدامة هذا الارتفاع القياسي.