لم تعد القيود الأوروبية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية تقف عند السلع المنتجة في الضفة الغربية، بعدما فتحت بريطانيا الباب أمام استهداف شركات وأفراد يقدمون خدمات تمويلية أو عقارية أو خدمات بناء وبنية تحتية مرتبطة بتوسيع المستوطنات، ما يضع القطاع المصرفي الإسرائيلي أمام اختبار جديد إذا اتسعت دائرة الإجراءات خلال الفترة المقبلة.

بريطانيا تفتح الباب لاستهداف ممولي التوسع الاستيطاني.. و158 شركة مدرجة على قاعدة بيانات الأمم المتحدة
صندوق النرويج تخارج من 5 بنوك إسرائيلية بـ661 مليون دولار.. وأوروبا تستحوذ على 31.7% من تجارة إسرائيل
أبو قمر لـ"24": الأثر المباشر محدود لكن العزلة الاقتصادية وتحذيرات المستثمرين قد تكون أكثر أهمية
جعفر صدقة لـ"24": عقوبات البنوك قد تتجاوز المستوطنات إلى الاقتصاد الإسرائيلي

ورغم محدودية القيمة المباشرة للتجارة المُعرضة للقيود، فإن التحركات الأخيرة تثير تساؤلات بشأن انعكاسها على المؤسسات التي تمول المشروعات أو تقدم الخدمات للشركات العاملة داخل المستوطنات، خصوصاً أن عدة دول أوروبية تتجه صوب تشديد القيود على التعامل معها.

وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تقدر رابطة المصنعين في إسرائيل صادرات المستوطنات إلى بريطانيا بنحو 11.1 مليون دولار سنوياً فقط، وهو رقم محدود مقارنة بحجم التجارة الإسرائيلية مع الأسواق الخارجية، بينما تحتاج بريطانيا إلى نحو 6 إلى 9 أشهر لاستكمال نظام العقوبات الجديد.

وفي المقابل، يقول جعفر صدقة، الخبير الاقتصادي من الضفة الغربية، لـ"24"، إن الأرقام المعلنة لا تعكس، من وجهة نظره، الحجم الكامل لصادرات المستوطنات، مقدراً قيمتها بأكثر من ملياري دولار سنوياً. ويشير صدقة إلى أن "جزءاً من منتجات المستوطنات يُصدر عبر شركات إسرائيلية مسجلة داخل إسرائيل، ما يجعل تتبع منشأ هذه المنتجات أكثر صعوبة".

ويرى صدقة أن "إتاحة معلومات أكثر دقة للدول الأوروبية بشأن منشأ المنتجات، يمكن أن يوسع نطاق تطبيق القيود ويزيد تأثيرها الاقتصادي، إذا أصبحت السلطات قادرة على التمييز بصورة أكبر بين المنتجات القادمة من المستوطنات وبقية الصادرات الإسرائيلية".

تزايد العزلة الاقتصادية

ويقول أحمد أبو قمر، المحلل الاقتصادي الفلسطيني، لـ"24"، إن "التأثير الاقتصادي المباشر للعقوبات على المستوطنات لا يزال محدوداً في ضوء حجم النشاط نفسه، لكن أهميتها تمتد إلى ما وصفه بتزايد العزلة الاقتصادية، وارتفاع درجة الحذر لدى المستثمرين عند التعامل مع أنشطة ترتبط بالمستوطنات".

ويضيف أن السيناريو الأكثر ترجيحاً، إذا اتسعت الإجراءات، هو استهداف أفراد أو شركات أو حسابات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني، وليس فرض عزلة شاملة على البنوك الإسرائيلية أو إخراجها من نظام "سويفت"، نظراً إلى التداعيات الواسعة التي قد تترتب على خطوة بهذا الحجم على النظام المصرفي الإسرائيلي.

وتظهر قاعدة بيانات مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، المحدثة في سبتمبر (أيلول) 2025، وجود 158 شركة من 11 دولة قال المكتب إن لديه أسباباً معقولة للاعتقاد بانخراطها في أنشطة محددة مرتبطة بالمستوطنات، مقابل 97 شركة في التحديث السابق.

وتضم القائمة مؤسسات مالية إسرائيلية من بينها "بنك هبوعليم" و"بنك لئومي" و"بنك أوف جيروزاليم" و"فيرست إنترناشيونال بنك أوف إسرائيل" و"ميركانتيل ديسكاونت بنك" و"مزراحي تفاهوت"، مع اختلاف نوع النشاط المدرج أمام كل مؤسسة في قاعدة البيانات.

ويقول صدقة إن هناك خشية من امتداد القيود المفروضة على الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات إلى التمويل الذي توفره البنوك، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجهها بعض المؤسسات المالية من مستثمرين وصناديق دولية بسبب انكشافها على أنشطة مرتبطة بالمستوطنات.

661 مليون دولار

ولم تعد انعكاسات الملف مقتصرة على التحذيرات، ففي أغسطس (آب) 2025، تخارج صندوق الثروة السيادي النرويجي من 5 بنوك إسرائيلية، هي "هبوعليم" و"لئومي" و"مزراحي تفاهوت" و"فيرست إنترناشيونال بنك أوف إسرائيل" و"FIBI Holdings"، وكانت قيمة حصص الصندوق فيها تبلغ مجتمعة نحو 661 مليون دولار قبل البيع.

وقال مجلس الأخلاقيات التابع للصندوق، وفق وكالة "رويترز"، إن البنوك الخمسة تقدم خدمات مالية تمثل شرطاً ضرورياً لأنشطة البناء في مستوطنات الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، ما استند إليه الصندوق في قرار التخارج.

ويرى صدقة أن هذه التحركات تفتح الباب أمام توسع القيود لتشمل بصورة أكبر تمويل الأنشطة الاستيطانية، موضحاً أن أثر أي عقوبات مصرفية أوسع لن يقتصر بالضرورة على النشاط داخل المستوطنات، وإنما قد يمتد إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد الإسرائيلي.

ويرى أبو قمر أن توسع القيود من التجارة إلى التمويل قد يدفع البنوك إلى زيادة الحذر تجاه المشروعات والاستثمارات التي يمكن ربطها بالمستوطنات، نتيجة متطلبات الامتثال، إلى جانب احتمال تراجع بعض الاستثمارات الأجنبية.

ويضيف أن الخسائر المباشرة في أعمال المستوطنات تظل جزءاً من الصورة، لكن أثر القرارات على سلوك المستثمرين والمؤسسات المالية قد يكون أكثر أهمية من قيمة السلع المحظورة نفسها.

ويتفق صدقة على صعوبة الفصل بين النشاطين، قائلاً إن تشابك الأنشطة الاقتصادية داخل المستوطنات مع الأنشطة داخل إسرائيل يجعل عملية الفصل بين التمويل الموجه لكل منهما معقدة، وقد يفرض على البنوك تكاليف إضافية إذا اضطرت إلى تشديد إجراءات الامتثال ومراجعة العمليات المرتبطة بالمستوطنات.

ويضيف أن اتساع نطاق العقوبات على المؤسسات المالية، إذا حدث، قد يجعل التأثير أكبر من قيمة الأعمال المرتبطة بالمستوطنات نفسها، نتيجة ارتباط البنوك بقطاعات وشركات وأنشطة اقتصادية متعددة داخل إسرائيل وخارجها.

وتزداد أهمية العلاقة مع أوروبا بالنظر إلى حجم التجارة؛ إذ بلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل 43.3 مليار يورو في 2025، فيما استحوذ الاتحاد على 31.7% من إجمالي تجارة إسرائيل في السلع، واستقبل 29.4% من صادراتها.

وبحسب أبو قمر، فإن اتساع القيود الأوروبية مستقبلاً سيحدد حجم الأثر الفعلي، سواء بقيت الإجراءات عند مستوى المنتجات والشركات المرتبطة مباشرة بالمستوطنات، أو تحولت إلى قيود أوسع على التمويل والاستثمار والخدمات المالية.