بعد الانتخابات البرلمانية الروسية الأخيرة، التي أبقت حزب "روسيا الموحدة" الحاكم في موقع الهيمنة داخل مجلس الدوما، تبدو صورة الاقتصاد الروسي أكثر تعقيداً من مجرد أرقام النمو أو مؤشرات الصمود أمام العقوبات.
وتقول تقارير غربية، إن الاقتصاد الروسي نجح في تجنب الانكماش الذي توقعه كثيرون في أعقاب الحرب على أوكرانيا والعقوبات الغربية، لكنه دخل في الوقت نفسه مرحلة تتزايد فيها مؤشرات الاعتماد على الدولة والإنفاق العسكري والموارد العامة.
الإنفاق العسكري يقود النمو
النمو الذي شهدته روسيا خلال السنوات الأخيرة لم يكن انعكاساً لعودة طبيعية للاستثمار والإنتاج المدني، بقدر ارتباطه بالإنفاق الحكومي الواسع، خصوصاً على الصناعات الدفاعية والمجمع الصناعي العسكري، بحسب دراسات لـ"مركز كارنيغي للسلام"، وصحيفة "فايننشال تايمز".
فاتورة الحرب تتضخم.. ديون وإنفاق عسكري يرهقان اقتصاد روسيا - موقع 24رغم مرور أكثر من 4 سنوات على الأزمة الأوكرانية، يبدو أن روسيا لا تزال بعيدة عن لحظة الحساب الاقتصادي الشامل للحرب، فالمصانع تعمل، والبطالة منخفضة، لكن خلف هذه الصورة يوجد أيضاً نمواً بطيئاً، وعجزاً آخذاً في الاتساع، واحتياطيات تتراجع.
وقد أدى هذا الإنفاق إلى زيادة الطلب والإنتاج وخلق وظائف ورفع الأجور في قطاعات مرتبطة بالحرب، لكنه في المقابل زاد الضغط على سوق العمل والقطاعات المدنية.
وتظهر مشكلة العمالة باعتبارها إحدى أبرز نقاط الضعف، فمعدلات البطالة المنخفضة ونقص العمالة الماهرة يدفعان الشركات إلى رفع الأجور، بينما يؤدي التجنيد والهجرة والعوامل الديموغرافية إلى تضييق قاعدة القوة العاملة، ما يؤثر على قطاعات مثل البناء والتكنولوجيا والخدمات، وفق تقرير سابق لصحيفة "فاينانشال تايمز".
من جانبها، تشير وكالة "بلومبيرغ" إلى أن التضخم وأسعار الفائدة المرتفعة يفرضان قيداً إضافياً على الاقتصاد المدني، فالبنك المركزي الروسي أبقى سعر الفائدة عند مستويات مرتفعة لمحاولة احتواء التضخم، ما يجعل الاقتراض والاستثمار أكثر كلفة بالنسبة للشركات التي لا تحظى بالدعم الحكومي المباشر.
ولا يقتصر الضغط على السياسة النقدية، بحسب وكالة "أسوشيتد برس"، بل يمتد إلى المالية العامة، إذ بلغ عجز الموازنة الروسية نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية يوليو (تموز)، أي قرابة ضعف المستهدف الأصلي للعام بأكمله، بينما تراجعت الموارد المتاحة في صندوق الاحتياطي إلى نحو 1.6% من الناتج المحلي.
وفي المقابل، يوفر النفط لموسكو متنفساً مالياً مهماً، إذ ارتفعت عائدات صادرات النفط إلى 15.8 مليار دولار في يونيو (حزيران)، مقارنة بأقل من 10 مليارات دولار شهرياً قبل الحرب، قبل أن تتراجع إلى 13.8 مليار دولار في يوليو، ما يمنح الحكومة قدرة إضافية على تمويل الإنفاق العسكري وامتصاص جزء من الضغوط المالية، لكنها في الوقت نفسه تكشف استمرار اعتماد الاقتصاد على الطاقة، بما يجعله أكثر حساسية لتقلبات الأسعار والأسواق العالمية.
من الأسواق الغربية إلى الصين وآسيا
أما على المستوى الخارجي، نجحت موسكو في إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو الصين والهند والأسواق الآسيوية، مستفيدة من بدائل لوجستية ومالية مكّنتها من مواصلة تصدير الطاقة.
لكن هذا التحول لا يعني أن العقوبات فقدت تأثيرها بالكامل؛ إذ تغيرت خريطة الاعتماد الاقتصادي بدلاً من أن تختفي، مع تزايد أهمية الصين في التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، بحسب الوكالة.
وفي قراءته للوضع الاقتصادي في روسيا، يرى المحلل عامر ملحم، إحدى المشكلات طويلة الأجل وهي التكنولوجيا، إذ أن روسيا استطاعت إيجاد بدائل لبعض المنتجات والمكونات الغربية، لكنها تواجه صعوبة أكبر في الوصول إلى التقنيات المتقدمة اللازمة لرفع الإنتاجية والابتكار، وهذا ما يفسر الحديث عن نوع من"التحديث العكسي"، حيث يصبح الحفاظ على الإنتاج ممكناً، لكن بتكلفة أعلى أو باستخدام تقنيات أقل كفاءة.
وقال ملحم لـ"24" إن الاقتصاد الروسي نجح في بناء قدرة على "التكيف ومقاومة العزل قصير الأجل"، لكنه يواجه في المقابل"تآكلاً في المحركات الذاتية للتنمية المستدامة".
وأشار إلى أن الإنفاق العسكري يستطيع إبقاء المصانع تعمل وتحريك الناتج ورفع الدخول في قطاعات محددة، لكنه لا يحل تلقائياً مشكلات الإنتاجية والديموغرافيا والتكنولوجيا والاستثمار المدني.
ومع ذلك، لا تشير هذه الضغوط إلى أزمة مالية وشيكة، بحسب "أسوشيتد برس"، فالإنفاق العسكري لا يزال يضخ الأموال في مناطق روسية فقيرة، فيما بلغ معدل البطالة نحو 2.2%، ما يوفر دخلاً لشرائح واسعة ويحد من انعكاس التباطؤ الاقتصادي على الاستقرار الاجتماعي.
وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات - موقع 24كشفت وثيقة حكومية روسية "سرية" عن خطة واسعة لتعميق التعاون الاقتصادي والمالي بين موسكو وطهران، تتضمن توسيع التعامل بالعملات المحلية، تطوير قنوات مالية مستقلة عن الأنظمة الغربية، وتعزيز الاستثمارات في الطاقة والنقل، في إطار مساعٍ لتقليص تأثير العقوبات والقيود المفروضة على البلدين.
بدورها، تشير "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" إلى أن مستقبل الاقتصاد الروسي أصبح مرتبطاً بقدرته على الانتقال تدريجياً من اقتصاد تعبئة تدعمه الدولة إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الاستثمار والإنتاجية والقطاعات المدنية، مع ارتفاع كلفة تمويل الحرب واتساع الضغوط على المالية العامة.