يواجه أكثر من ثلاثة آلاف جهاز استقبال لنظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية "GNSS" خطر التعرض لهجمات سيبرانية مباشرة عبر الإنترنت، ما يمثل تهديداً لقطاعات الملاحة البحرية والجوية والخدمات اللوجستية البرية، بحسب ما كشفته شركة "كاسبرسكي" العالمية المتخصصة في الأمن السيبراني والحماية الرقمية.
دراسة بريطانية: فقدان أنظمة "GNSS" ليوم واحد يكبد الاقتصاد البريطاني 1.42 مليار جنيه إسترليني خسائر. فيما تشير دراسة أمريكية إلى أن فقدان خدمة "GPS" ليوم يكبد الاقتصاد الأمريكي 1.6 مليار دولار.
د. هشام المهدي: انقطاع "خدمة التوقيت" في نظام الملاحة الفضائي يؤثر فوراً وكارثياً على "الطاقة والكهرباء"، بجانب تأثيرات واسعة على الأسواق المالية والطيران والموانئ والنقل البري والزراعة والاتصالات والنفط والغاز.
تشير الشركة إلى "خطر جسيم" يُهدد أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية، تزامناً مع رصد "زيادة حادة" لحالات "تزييف" إشارات نظام تحديد المواقع العالمي "GPS" ونظام الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية في منطقة البحر الأسود مُنذ 2023.
تلفت عمليات الرصد بالشركة، إلى استمرار استهداف مجموعات الهجمات المتقدمة "Thrip"، مشغلي الأقمار الصناعية وقواعد بيانات الخرائط الجغرافية المكانية، للتجسس على البنية التحتية الفضائية الحيوية أو تعطيلها بشكل مباشر.
ولا يقتصر أمن الفضاء الحديث على حماية "الأقمار الصناعية" التي تدور في المدار الأرضي، إذ تتكون أنظمة الفضاء حالياً من شبكة مترابطة تشمل "محطات التحكم الأرضية، وقنوات الاتصال، وأجهزة استقبال المشتركين، وبرمجيات تابعة لأطراف خارجية"، فيما يعمد المهاجمون إلى استغلال الحلقات الأسهل استهدافاً والأقل تأميناً في هذه المنظومة.
وبحسب تقرير حديث، لـ "لوموند" الفرنسية في مايو (أيار) 2026، سجلت سفن منطقة شرق المتوسط قرابة مليون حالة "تشويش" على أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية منذ 28 فبراير (شباط) 2026، مع تأثر نحو 1.100 سفينة في اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإيرانية. ويبرز البحر الأحمر والأسود وبحر البلطيق والخليج العربي كبؤر تشويش رئيسة على الملاحة البحرية.
كيف يحدث الهجوم؟
يُحذر ثلاثة خبراء في الهندسة والأمن والتكنولوجيا من نقاط الضعف داخل أجهزة استقبال الملاحة عبر الأقمار الصناعية، خصوصاً عندما تكون قديمة وغير محدثة أو تفتقر لآليات مصادقة قوية.

اللبنانية مايا زغيب، خبيرة التوعية الرقمية والتسويق الإلكتروني
تقول اللبنانية مايا زغيب، خبيرة التوعية الرقمية والتسويق الإلكتروني لـ 24، إن جزءاً من المشكلة يعود إلى طبيعة الأجهزة نفسها، فكثير منها قديمة ولا تخضع لدورات "تصحيح أمني" سريعة مقارنة بالأجهزة التقنية التقليدية، لا سيما أنها تُدار عن بُعد لأغراض تشغيلية مثل مراقبة السفن ومحطات القياس وأبراج الطيران، ما يجعلها تُترك عادةً متصلة بالإنترنت مباشرةً بدلاً من وضعها خلف شبكة معزولة.
يُسهل عمل هذه الأجهزة بأنظمة متنوعة وبأسلوب المصدر المفتوح "Linux" أحياناً وأخرى بنظام "ويندوز"، من نطاق أو سطح الهجوم مقارنة ببيئات الحواسيب ذات الأنظمة الواحدة، بحسب زغيب.
بينما يوضح الدكتور أحمد بانافع، أستاذ الهندسة والذكاء الاصطناعي في جامعة سان هوزيه الحكومية - كالفورنيا، لـ 24، أن دور جهاز "GNSS" لا يقتصر على استقبال إشارة من قمر صناعي، فهو شبكة رقمية متصلة بأنظمة أخرى وبالإنترنت، ويمتد الخطر لسلسلة كاملة من القمر الصناعي إلى المحطات الأرضية وأجهزة الاستقبال والشبكات المرتبطة بهم.

د. أحمد بانافع، أستاذ الهندسة والذكاء الاصطناعي في جامعة سان هوزيه الحكومية - كالفورنيا
أ.د. هشام المهدي، الوكيل السابق لكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي - جامعة القاهرة
وفي نظر بانافع يختلف التهديد في عمليات "الاختراق السيبراني" و"التشويش" و"التزييف"، والأخيرة أخطر كون النظام يستمر في العمل مع إعطاء معلومات خاطئة تخص "الموقع والتوقيت"، ويصعب من اكتشاف المشكلة على الفور.
تأثير واسع على الاقتصاد العالمي
من جانبه، يشير الدكتور هشام المهدي، الوكيل السابق لكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي - جامعة القاهرة، إلى أن المشكلة تمتد إلى "خدمة التوقيت" التي توفرها منظومة الأقمار الصناعية والتي قد تؤثر سلباً - حال تعرضها لخطر - على شبكات الكهرباء، الأسواق المالية، الطيران، الموانئ، النقل البري، الزراعة، الاتصالات، النفط والغاز.
يوضح المهدي لـ "24"، أن قطاع "الطاقة والكهرباء" هو الشريان الأكثر حساسية والذي سيشعر بالأثر فوراً وبشكل كارثي، في ظل اعتماد شبكات الكهرباء على إشارات التوقيت الدقيقة من "GNSS" لمزامنة الطور (Phase Synchronization) بين محطات التوليد، وبدونها، قد تتعطل أنظمة التحكم وتؤدي إلى انقطاعات واسعة أو تلف في المعدات.
حجم الاقتصاد المرتبط بأنظمة الملاحة الفضائية
يشهد نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية (GNSS) نمواً متزايداً، من المتوقع أن تصل إيراداته إلى 580 مليار يورو بحلول 2034، مدفوعاً بتطبيقات السوق الشاملة التي توفر حلولًا للمستهلكين، فضلًا عن قطاعي الطرق والسيارات. مع توقعات بزيادة الأجهزة التي تدعم النظام من 5.8 مليار وحدة في 2024 إلى ما يقارب 10 مليارات وحدة بحلول 2034.
وتُقدر دراسة أجرتها "RTI" بتكليف من المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST)، فوائد (GPS) - وهو جزء من منظومة "GNSS" - على 10 صناعات منها الاتصالات والزراعة والخدمات المالية والنفط والغاز والملاحة البحرية، بأكثر من 1.4 تريليون دولار منذ أن أصبح النظام متاحاً للاستخدام في القطاع الخاص عام 1983 حتى 2017.
بينما يكشف "سيناريو" حجم الخسائر المُحتملة لفقدان أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية على الاقتصاد، إذ أظهرت دراسة أجرتها الحكومة البريطانية في 2023، حول انقطاع خدمات أنظمة "GNSS" لمدة 24 ساعة فقط، خسائر 1.42 مليار جنيه إسترليني، فيما وصلت الخسائر على الاقتصاد البريطاني إلى 7.64 مليار جنيه إسترليني لمدة انقطاع أسبوع.
فيما تُقدر دراسة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حجم الخسائر المُحتملة التي ستتكبدها أمريكا جراء انقطاع خدمة "GPS" لمدة يوم وأسبوع وشهر، 1.6 مليار دولار، و12.2 مليار دولار، و58.2 مليار دولار على التوالي.
كيف نقلل الخطر؟
ينصح الخبراء الثلاثة بـ "دفاع مُتعدد الطبقات" للحد من التهديدات المُحتملة لأنظمة (GNSS)، كالآتي:
- إجراء تدقيق وتحديث دوري لأجهزة التحكم الأرضية وأجهزة المستخدمين في نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية.
- التأكد من تشفير روابط الاتصالات عبر الأقمار الصناعية بشكل كلي لمنع التجسس على حركة البيانات وتزييفها.
- تطبيق حماية قوية للنقاط الطرفية على محطات الاتصال الأرضية والأجهزة المتصلة بشبكات "GNSS".
- فرض ضوابط وصول صارمة على شبكات الإدارة الداخلية عبر "المصادقة" مُتعددة العوامل وبصمات الهوية.
- عزل مستقبلات "GNSS" عن الإنترنت العام قدر الإمكان، وتجنب الوصول إليها عبر الإنترنت إلا عند الضرورة.
- تطبيق مبدأ تعدد مصادر الموقع والتوقيت، لسهولة مقارنة بيانات "GNSS" مع مصادر أخرى لكشف الانحرافات.