دخل الصراع المالي والاقتصادي بين الولايات المتحدة وإيران منعطفاً حاسماً، اليوم الأربعاء، مع انتهاء المهلة الأمريكية، وبدء السريان الفعلي لحزمة عقوبات ثانوية مشددة.
وتستهدف الإجراءات، التي أعلنها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، شلّ حركة جميع شركات الطيران الإيرانية، وإجبارها على التوقف التام عن العمل في أنحاء العالم كافة.
وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لاستراتيجية الخزانة الأمريكية المعروفة باسم "عملية الطرد الاقتصادي"، التي صُممت لعزل إيران كلياً عن المنظومة المالية الدولية، عبر تفكيك شبكاتها اللوجستية والتجارية.
في المقابل، تُظهر مؤشرات وتقارير المؤسسات المالية الدولية عمق الأزمة الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الإيراني الكلي جراء الحصار الشامل وملاحقة قنواته المالية.
إقلاع "بلا وجهة".. كيف تعزل واشنطن إيران عن أجواء العالم؟ - موقع 24تواجه شركات الطيران الإيرانية أحدث موجات عقوبات أمريكية، بعد تضييق واشنطن الخناق على شبكة الخدمات والتزويد اللازمة لإبقاء الطائرات الإيرانية في الجو، بدءاً من الوقود مروراً بلوجستيات المطارات، وصولاً إلى التأمين والصيانة وحوالات البنوك وبيع التذاكر.
سلاح المقاصة بالدولار
من الناحية القانونية، لا تمتلك وزارة الخزانة الأمريكية القدرة على إغلاق الأجواء السيادية للبلدان الأخرى، لكنها تستخدم سلاح المقاصة بالدولار ونفوذ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لإجبار الدول على الامتثال الجبري للقرار.
ولم تعد حزمة العقوبات الحالية تقتصر على حظر الطائرات نفسها، بل امتدت لتشمل تعليق التراخيص الحيوية المرتبطة بالخدمات الجوية.
بناءً على ذلك، تواجه أي مطارات أو شركات خدمات دولية تقدم وقود الطائرات، أو خدمات الصيانة والإصلاحات الطارئة، أو خدمات التموين والمناولة الأرضية، أو حتى أنظمة حجز وتوزيع تذاكر السفر، الحرمان المطلق والفوري من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
وزير الخزانة الأمريكي: شركات الطيران الإيرانية ستتوقف عن العمل 23 سبتمبر - موقع 24توقع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الاثنين 21 سبتمبر(أيلول)، أن تتوقف شركات الطيران الإيرانية عن العمل خلال اليومين المقبلين تحت وطأة العقوبات الأميركية، وفقاً لوكالة فرانس برس.
معادلة صفرية حاسمة
ووضعت هذه الإجراءات الصارمة المطارات الإقليمية والدولية أمام معادلة صفرية حاسمة؛ إذ باتت مجبرة على المفاضلة بين استمرار علاقاتها مع طهران، أو التعرض لدمار مالي فوري جراء الإقصاء من منظومة (سويفت) وعالم الدولار.
وأمام هذا التهديد، سارعت كبرى شركات الطيران العالمية، وفي مقدمتها الخطوط الجوية التركية، إلى تعليق كافة رحلاتها إلى إيران حتى مارس (آذار) 2027.
وفي السياق ذاته، بادر العراق كجارٍ جغرافي إلى إعلان جاهزيته الرسمية لوقف استقبال الطائرات الإيرانية، تفادياً للمطرقة الأمريكية الوشيكة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمثل قطاع الطيران في إيران الرئة الأساسية لنقل البضائع والخدمات الحساسة، في ظل تشديد الحصار البحري على مضيق هرمز، وتراجع الصادرات النفطية.
واتساع رقعة الحرب التي تدور رحاها منذ 7 أشهر جعل القيمة اللوجستية للطيران المدني مسألة أمن قومي لطهران، بسبب اتهام واشنطن لهذا القطاع بالعمل كغطاء لنقل الأفراد والمعدات العسكرية لصالح الحرس الثوري الإيراني.
تداعيات فورية للحصار
وتُظهر البيانات التحليلية لأسواق الطيران أن الحظر يفرض تداعيات فورية على البنية التحتية، خصوصاً أن إيران تمتلك أحد أقدم أساطيل الطيران المدني في العالم بمعدل عمر طائرات يتجاوز 25 عاماً.
ويعني هذا التقادم أن إلغاء التراخيص العامة والاستثناءات الإنسانية سيوقف تدفق قطع الغيار الرسمية تماماً، ويهدد بجلوس أكثر من نصف الطائرات المدنية المتبقية على الأرض في غضون أشهر قليلة، فضلاً عن عزل المراكز الإقليمية وانخفاض الصادرات الإيرانية عبر الشحن الجوي بنسبة تقارب 70% نتيجة غياب قنوات التوزيع البديلة، بحسب تقديرات معهد تمويل الشركات الدولية.
ترامب: "محو إيران" ضمن 3 خيارات في المستقبل القريب - موقع 24أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن أموراً "كبيرة جداً" ستحدث في المستقبل القريب بشأن إيران، مشيراً إلى أن الخيارات المطروحة أمامه تشمل "محو إيران" بالكامل، أو تركها تواجه تداعيات اقتصادية، أو التوصل إلى اتفاق.
صورة قاتمة
في المقابل، تراقب المؤسسات المالية الكبرى، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المؤشرات الكلية للاقتصاد الإيراني بكثير من القلق، إذ تشير تقارير الآفاق الاقتصادية الإقليمية إلى رسم صورة قاتمة ترتبط مباشرة بانهيار العملة والتضخم الجامح. فبالتزامن مع انطلاق عملية الطرد الاقتصادي، سجلت العملة الإيرانية (الريال) هبوطاً حاداً وغير مسبوق في الأسواق الموازية، متجاوزة حاجز مليوني ريال للدولار الواحد.
ويرى خبراء صندوق النقد الدولي، أن تدمير قطاع الخدمات، وتوقف خطوط الطيران المدني الدولي، يعوق تدفقات العملة الصعبة الشحيحة أصلاً من قطاع السياحة الدينية والتجارة البينية، مما قد يدفع معدلات التضخم السنوية لتخطي عتبة 60% بحلول نهاية العام الحالي.
وفي السياق ذاته، أشارت دراسة تحليلية لمركز أبحاث "تشاتام هاوس"، إلى أن اتساع العقوبات لتستهدف الشركات الوسيطة في دول كتركيا وماليزيا "يمثل حصاراً هيكلياً كاملاً للبنية التحتية للطيران الإيراني، مما يهدد بتقليص نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في إيران ليدخل في مرحلة انكماش حاد بـ3.5%". بينما يؤكد تقرير البنك الدولي الخاص بالشرق الأوسط أن عزل الطيران الجوي والبحري يؤدي إلى تضاعف تكاليف المدخلات الصناعية، وعجز الشركات الإيرانية عن تأمين بدائل للآلات المتخصصة.
القوة الضاربة في الحصار
وتكمن القوة الضاربة للاستراتيجية الأمريكية الحالية في البعد الدبلوماسي، الذي كشفت عنه وزارة الخزانة، بشأن الانخراط والمشاركة الحثيثة من المسؤولين الماليين الصينيين، بما في ذلك حاكم بنك الشعب الصيني، للامتثال لمتطلبات العقوبات.
ورغم أن بكين كانت تمثل تاريخياً الرئة والعمق الاستراتيجي لاقتصاد طهران، عبر استيعاب معظم صادرات النفط الإيراني من خلال مصافي تكرير صغيرة مستقلة، إلا أن التحذير الأمريكي بفرض عقوبات ثانوية على المصارف الصينية الكبرى دفع السلطات المالية في بكين إلى إبداء مرونة واضحة للامتثال للحظر المفروض على قطاع الطيران والتكنولوجيا.
هذا الامتثال يعني خسارة إيران للغطاء المالي الصيني في قطاع النقل الجوي، وعجزها عن تسيير رحلات طويلة المدى أو الحصول على تمويلات دولية عبر قنوات بديلة.
ويمثل قرار حظر الطيران الإيراني إغلاقاً مالياً وجوياً محكماً يهدف إلى تجفيف ما تبقى من سيولة نقدية لدى طهران، وإجبارها على تقديم تنازلات استراتيجية جوهرية، رغم أن المخاطرة الكبرى المحدقة بالاقتصاد العالمي تظل متمثلة في رد الفعل الإيراني الذي قد يتجه نحو التصعيد الميداني لكسر هذه الدائرة الاقتصادية الخانقة.