تدرس الخزانة البريطانية إمكانية تقليص هامش الأمان المالي المستهدف في موازنة الشهر المقبل، في خطوة قد تتيح للحكومة الحد من الزيادات الضريبية، مع اعتمادها على قدرة سوق السندات الحكومية على استيعاب مستوى أقل من الاحتياطي المالي دون زيادة كبيرة في تكاليف الاقتراض.

وبحسب صحيفة فاينانشال تايمز، تناقش الخزانة ورئاسة الوزراء تحديد هامش مالي أقل من المستوى الذي توقعه مكتب مسؤولية الموازنة في مارس (آذار)، في ظل مؤشرات من المستثمرين على أن خفض الاحتياطي لن يؤدي بالضرورة إلى اضطراب سوق السندات الحكومية البريطانية. وتشير تقديرات داخل الحكومة إلى هامش يتراوح بين 15 و20 مليار جنيه إسترليني، مقابل نحو 23.6 مليار جنيه في التوقعات السابقة.

ضغوط مالية قبل الموازنة

يأتي هذا النقاش مع تراجع واضح في المساحة المالية المتاحة للحكومة البريطانية، بعدما تجاوز الاقتراض العام التوقعات خلال الأشهر الأولى من السنة المالية. وبلغ الاقتراض خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى أغسطس (آب) نحو 77.3 مليار جنيه إسترليني، متجاوزاً توقعات مكتب مسؤولية الموازنة بنحو 8.1 مليار جنيه. كما جرى رفع تقدير اقتراض السنة المالية السابقة إلى 134.3 مليار جنيه.

وأدت زيادة عوائد السندات الحكومية وارتفاع تكاليف خدمة الدين إلى تقليص هامش المناورة المالية، فيما زادت الضغوط على الإنفاق الحكومي بفعل ارتفاع التضخم وتكاليف الخدمات والمزايا المرتبطة بالأسعار.

هامش أقل مقابل ضرائب أقل

ويعني خفض هامش الأمان أن الحكومة ستكون أكثر اعتماداً على تحقق توقعاتها الاقتصادية والمالية، إذ يشكل الهامش عادةً وسادة أمام أي انحرافات غير متوقعة في النمو أو الإيرادات أو الإنفاق أو تكاليف الاقتراض.

لكن تقليص هذا الاحتياطي قد يمنح وزير المالية جون هيلي مساحة أكبر لتجنب زيادات ضريبية واسعة في موازنة أكتوبر (تشرين الأول)، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً لتمويل الإنفاق العام مع الحفاظ على الالتزام بالقواعد المالية.

سوق السندات تحت المراقبة

ويشكل موقف المستثمرين من السندات الحكومية البريطانية عاملاً حاسماً في تحديد حجم الهامش الذي تستطيع الحكومة تحمله، حيث تكشف إشارات من السوق إلى أن خفض الهامش إلى نحو 14 مليار جنيه قد لا يؤدي إلى رد فعل حاد في سوق السندات، ما يمنح الخزانة مجالاً للنظر في احتياطي أصغر.

وتكتسب هذه النقطة أهمية مع ارتفاع عوائد السندات البريطانية خلال الفترة الأخيرة، إذ يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكلفة تمويل الدين الحكومي ويضغط بدوره على الموارد المتاحة للإنفاق أو خفض الضرائب.

الاقتراض والإنفاق يضيّقان الخيارات

وتواجه الحكومة البريطانية معادلة مالية أكثر صعوبة نتيجة ارتفاع الاقتراض وتكاليف خدمة الدين إلى جانب زيادة الإنفاق المرتبط بالتضخم. كما أن الالتزامات المتعلقة بالإسكان والرعاية الاجتماعية والدفاع تضيف ضغوطاً جديدة على الموازنة خلال السنوات المقبلة.

ويشير الوضع الحالي إلى أن أي خفض للضرائب أو تجنب لزيادات كبيرة فيها سيكون مرتبطاً بقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق وتحقيق توقعات الإيرادات، وليس فقط بحجم الهامش المالي الذي ستعلنه في الموازنة.

موازنة أكتوبر أمام اختبار الأسواق

ومن المقرر أن يقدم هيلي موازنته في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، وسط ضغوط لإظهار قدرة الحكومة على الالتزام بقواعدها المالية من دون اللجوء إلى رفع الضرائب الرئيسية. وقد يؤدي اختيار هامش مالي أصغر إلى تقليل حجم الزيادات الضريبية المطلوبة، لكنه في المقابل يترك مساحة أقل للتعامل مع أي تدهور مفاجئ في الاقتصاد أو المالية العامة.

وتترقب الأسواق الموازنة باعتبارها اختباراً لقدرة الحكومة البريطانية على تحقيق التوازن بين ضبط المالية العامة، والحفاظ على ثقة المستثمرين في سوق السندات، وتجنب زيادة العبء الضريبي في اقتصاد يواجه بالفعل ارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف آفاق النمو.