شهدت الأسواق المالية العالمية موجة بيع واسعة النطاق أدت إلى تراجعات جماعية حادة في مختلف فئات الأصول، بدءاً من الأسهم والعملات المشفرة وصولاً إلى المعادن النفيسة. 

وتأتي هذه التطورات مدفوعة بتسارع وتيرة الأحداث الجيوسياسية المرتبطة بالصراع الأمريكي-الإيراني، وما رافقه من قفزة حادة في أسعار النفط لتتجاوز مستويات 100 دولار للبرميل.

وأعادت  البيئة المضطربة إلى الواجهة مخاوف "الركود التضخمي" وأجبرت المستثمرين على إعادة تسعير مخاطر السياسة النقدية للبنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

ارتفاع أسعار الطاقة 

وكان عودة  اختراق أسعار النفط لحاجز 100 دولار للبرميل  شكل الشرارة الأساسية التي أشعلت موجة الهلع الراهنة في الأسواق.
 وتاريخياً، تُعد صدمات الطاقة الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط من أكثر العوامل التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، نظراً لأثرها المباشر والسريع على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج والشحن. 
ويفرض الارتفاع  في أسعار الطاقة ضغوطاً تضخمية تصاعدية جديدة، ما يقوض الجهود التي بذلتها البنوك المركزية على مدى الأشهر الماضية لاحتواء التضخم. 
ويرى محللون في معهد بلاك روك للاستثمار أن صدمة العرض الحالية تضع البنوك المركزية أمام معضلة معقدة؛ فإما الإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة كأداة وحيدة لكبح التضخم الناجم عن تكاليف الطاقة، وهو ما يهدد بإدخال الاقتصاد في ركود حاد، أو خفض الفائدة لدعم النمو والمخاطرة بخروج التضخم عن السيطرة.
ويعيد هذا السيناريو شبح حقبة السبعينيات من القرن الماضي، إذ عانت الأسواق من ركود تضخمي مزمن.

تراجع وول ستريت 

وكانت  المؤشرات الرئيسية في وول ستريت تفاعلت  بشكل سلبي  مع هذه المعطيات، إذ سجل مؤشر S&P 500 تراجعاً بـ0.5%، في حين قاد مؤشر Nasdaq المثقل بشركات التكنولوجيا التراجعات بانخفاض 0.9%. 

ويعود التراجع الحاد في قطاع التكنولوجيا Nasdaq إلى حساسية  القطاع المفرطة تجاه أسعار الفائدة؛ إذ تعتمد شركات النمو والتكنولوجيا بشكل كبير على الاقتراض لتمويل التوسع، كما أن تقييمات أسهمها الحالية تستند إلى التدفقات النقدية المستقبلية المتوقعة. 

وعندما ترتفع معدلات الفائدة أو تظل عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، تنخفض القيمة الحالية لتلك التدفقات المستقبلية وفقاً لنماذج الخصم المالي، مما يؤدي إلى تصحيح عنيف في أسعار الأسهم. 

عوائق استدامة الصعود

وفي هذا الصدد، أشار تقرير صادر عن مورغان ستانلي إلى أن "الأسواق كانت تتوقع مساراً تيسيرياً أسرع من قبل الاحتياطي الفيدرالي"، إلا أن المعطيات الجيوسياسية الجديدة وأسعار النفط فوق 100 دولار ستجبر صانعي السياسة النقدية على اتخاذ موقف أكثر تشدداً، مما يعيق استدامة الصعود في أسواق الأسهم ويدفع نحو إعادة تقييم شاملة للمخاطر.

وفي خطوة فاجأت العديد من المراقبين، لم تنجُ الملاذات الآمنة التقليدية من موجة البيع؛ إذ تراجع الذهب ليصل إلى مستوى 4252  دولاراً للأونصة، في حين سجلت الفضة هبوطاً  إلى دون مستوى 64  دولاراً للأونصة.

وتفسر بيوت الخبرة العالمية، بما في ذلك غولدمان ساكس، الهبوط المفاجئ للملاذات الآمنة بظاهرة "التسييل القسري للسيولة التي تحدث في المراحل الأولى من الصدمات الجيوسياسية العنيفة.

فمع تراجع أسواق الأسهم، تواجه المؤسسات المالية الكبرى وصناديق التحوط نداءات هامش لتغطية مراكزها الخاسرة.

تسييل إجباري 

ولتوفير السيولة النقدية الفورية، تضطر  الصناديق إلى بيع الأصول الأكثر سيولة والتي حققت مكاسب قوية في السابق، وفي مقدمتها الذهب والفضة. ولذلك، فإن التراجع الحالي لا يعكس فقدان الذهب لجاذبيته كملاذ آمن، بل يعبر عن ضائقة سيولة مؤقتة تشهدها المحافظ الاستثمارية الكبرى.

ولم تكن سوق العملات المشفرة بمعزل عن هذه الهزة؛ إذ تراجعت عملة Bitcoin لتهبط إلى  دون مستويات 84 ألف دولار . 

ويعكس التراجع سلوكاً استثمارياً كلاسيكياً يتمثل في التخلص السريع من الأصول ذات "البيتا العالية"، وهي الأصول التي تتسم بتقلبات سعرية مرتفعة وحساسية شديدة لشهية المخاطرة العامة في الأسواق.

 ورغم المحاولات المستمرة لتسويق البيتكوين كـ"ذهب رقمي" أو ملاذ آمن مستقل عن النظام المالي التقليدي، إلا أن سلوكها السعري خلال الأزمات الجيوسياسية الراهنة يثبت أنها لا تزال تتحرك بالتوازي مع الأصول الخطرة وأسهم التكنولوجيا.

العملات المشفرة 

 وتشير التحليلات الصادرة عن جيه بي مورغان إلى أن خروج السيولة من العملات المشفرة يمثل مؤشراً واضحاً على رغبة المستثمرين في تقليص الرافعات المالية والتحوط بالسيولة النقدية الصريحة (الدولار الأمريكي) في مواجهة عدم اليقين.

وتتفق بيوت الخبرة المالية العالمية على أن المشهد الراهن يتطلب من المستثمرين الانتقال من استراتيجيات النمو الهجومية إلى استراتيجيات الحفاظ على رأس المال والدفاع الذكي من خلال إعادة التوازن نحو القطاعات الدفاعية وتقليص الوزن النسبي لأسهم التكنولوجيا والنمو لصالح القطاعات الدفاعية التي تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة وقدرة على تمرير تكاليف التضخم للمستهلكين، مثل قطاع الرعاية الصحية، السلع الاستهلاكية الأساسية، وقطاع الطاقة الذي يستفيد بشكل مباشر من قفزة الأسعار الحالية. 

كما يُنصح ببناء وتسييل الاحتياطيات النقدية لأن السيولة النقدية في الوقت الحالي أداة تحوط قوية تحمي المحفظة من التراجعات وتمنح القدرة على اقتناص فرص استثمارية بأشكال تقييمية جاذبة عندما تصل الأسواق إلى القاع.

تحوط طويل الأجل 

 ويرى خبراء أيضاً أن "التمسك بالذهب كتحوط طويل الأجل خطوة استراتيجية مهمة، إذ يمثل التراجع الحالي في أسعار الذهب نقطة دخول مناسبة لبناء مراكز استثمارية طويلة الأجل"، نظراً لأن جاذبية المعدن الأصفر ستعود بقوة بمجرد استقرار موجة التسييل القسري وبدء وضوح الرؤية بشأن استمرار التضخم المرتفع.

إن الأسواق العالمية تمر حالياً بمرحلة حرجة من إعادة تسعير الأصول بناءً على معطيات جيوسياسية واقتصادية معقدة، وسيبقى التذبذب سيد الموقف إلى أن تتضح معالم التصعيد العسكري ومدى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل كلفة النفط المرتفعة تحت مظلة أسعار فائدة لا يبدو أنها ستنخفض قريباً.