تتحمل المطاعم كلفة الغذاء الفائض مرتين؛ الأولى عند شرائه وتخزينه وإعداده، والثانية لحظة الدفع مقابل التخلص منه، وذلك بالتزامن مع اليوم الدولي للتوعية بالفاقد والمهدر من الأغذية، وهي مناسبة أقرّتها الأمم المتحدة لزيادة الوعي بأهمية الحد من هدر الطعام وتحقيق التنمية المستدامة.
تخصص مطاعم في الولايات المتحدة ولندن وألمانيا جزءاً من الأطعمة المعدة للتبرع بها للجمعيات والمحتاجين خلال فترات انخفاض الإقبال.
وفي هذا الشأن، أظهرت بيانات منظمة "ReFED" أن فائض الطعام في قطاع المطاعم والخدمات الغذائية بالولايات المتحدة وصل إلى 12.5 مليون طن خلال 2024، بقيمة تُقدر بـ157 مليار دولار، وهو ما يعادل 14% من إجمالي مبيعات القطاع، فيما انتهى المطاف بـ12.4 مليون طن من هذا الفائض في سلال النفايات.
حجم الهدر العالمي
تتسع دائرة الهدر لتشمل قطاعات أخرى خارج المطاعم، حيث قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة إجمالي الطعام المهدر في المنازل ومتاجر التجزئة وقطاع الخدمات الغذائية بـ 1.05 مليار طن خلال 2022، وهو ما يمثل 19% من إجمالي الغذاء المتاح للمستهلكين.
وشكل قطاع الخدمات الغذائية وحده 290 مليون طن من هذا الهدر بنسبة 28%، مقارنة بـ 631 مليون طن في المنازل، و131 مليون طن في متاجر التجزئة.
وكشفت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" عن فقدان 13% من الغذاء المُنتج عالمياً في المرحلة المحصورة بين الحصاد والوصول إلى أرفف البيع.
ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة التكلفة الاقتصادية لهدر الغذاء بأكثر من تريليون دولار سنوياً.

ضبط الإنتاج يحدد مسار الفائض
تقول الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، في تصريحات لـ"24"، إن هدر الطعام يمثل تكلفة كبيرة على المطاعم، ما يجعل ضبط الإنتاج والمخزون ضرورياً، عبر مواءمة كميات الإعداد مع الإقبال الفعلي وأيام الأسبوع والمواسم ونسب الإشغال في المطاعم الملحقة بالفنادق.
وعند ظهور فائض، يمكن إعادة استخدام بعض المكونات في أطباق جديدة، أو حفظها، أو تجهيز الأطعمة جزئياً واستكمال إعدادها عند تسجيل الطلب.
على جانب آخر، تُظهر بيانات مؤسسة "ReFED" الصادرة عام 2026، عن بيانات 2024، أن بقايا أطباق الزبائن شكلت 69.6% من فائض قطاع المطاعم والخدمات الغذائية في الولايات المتحدة، بواقع 8.72 مليون طن، مقابل 11.9%، أو 1.49 مليون طن، من الإعداد الزائد عن الحاجة.
وتأكيداً لرؤية حنان رمسيس، توضح المؤسسة أن إعادة مراعاة أحجام الوجبات، وتقديم خيارات مرنة للحصص، من شأنهما تقليص هدر القطاع بحدود 2.35 مليون طن سنوياً، وتوفير نحو 547 مليون دولار.

الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس
خفض الأسعار ليس حلاً دائماً
وتشدد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس على أن وجود الفائض يحتاج معالجة حذرة، حيث تفضل علامات تجارية كثيرة الحفاظ على مستويات سعرية عالية وثابتة ترتبط في ذهن المستهلك بالجودة؛ فتخشى من أن تؤدي التخفيضات الكبيرة إلى إثارة الشكوك حول جودة منتجاتها أو الإضرار بمكانتها أمام الشريحة المستهدفة.
في المقابل، ظهرت نماذج عمل تحول الفائض إلى مصدر للدخل، منها تطبيق "Too Good To Go" الذي يربط المطاعم والمخابز بالمستهلكين لبيع الطعام المتبقي في "حقائب مفاجأة" بخصومات تتراوح بين 50% و75% من السعر الأصلي.
وتضم المنصة أكثر من 180 ألف نشاط تجاري و120 مليون مستخدم مسجل في 21 دولة، آخرها اليابان التي دخلتها في يناير (كانون الثاني) 2026.
وفي المنطقة العربية، بدأت الفكرة تتحول إلى نماذج تجارية فعلية، خصوصاً في الإمارات ومصر؛ إذ تبيع منصات مثل "Save Me" الطعام الفائض من المطاعم والمتاجر بأسعار مخفضة، بينما تربط "Peekabox" المستهلكين بفائض أكثر من 1,000 منفذ في الإمارات، بخصومات تصل إلى 50%–70% عن أسعار التجزئة.
وفي مصر، تربط منصة "كسبانة" المطاعم والمخابز والمقاهي بالمستهلكين عبر "حقائب سرية" تضم الطعام غير المباع بخصم لا يقل عن 50%، فيما تجاوزت تنزيلات التطبيق 10 آلاف وفق بيانات متجر "غوغل بلاي".

حلول إضافية لوقف الهدر
تضيف حنان رمسيس أن الحلول تشمل أيضاً خفض أسعار المنتجات قبل انقضاء صلاحيتها أو إعادة استخدامها، مثل بيع الخبز بسعر أقل مع مرور الوقت وتحويل خبز "الفينو" المتبقي إلى "بقسماط".
وتؤكد رمسيس أن ضبط المخزون وتنظيم الإنتاج يقللان الهدر وما يرتبط به من وقت وجهد وتكاليف تخزين، ما يوفر سيولة يمكن توجيهها إلى بنود أخرى، ويحول جزءاً من الخسائر إلى وفر مالي وأرباح.