تحول الاقتراض إلى مصدر أساسي في تمويل موجة الاستثمار "الضخمة" في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع توجه شركات التكنولوجية العالمية إلى "أسواق الدين" بحثاً عن مليارات الدولارات لتمويل توسعها، وسط مخاوف من نتائج عكسية قد تفرض إعادة تقييم الأصول وانكماش الثروة وتدفع الشركات نحو تسريح العمال، حال عدم تحقيق عوائد مستقبلية ترقى إلى مستوى التوقعات وتتناسب مع الإنفاق الكبير.

د. ممدوح سلامة: تطوير الـ AI يتطلب استثمارات تُقدّر بأكثر من تريليوني دولار، تتزامن مع احتياجات تمويلية كبيرة لقطاعات أساسية أخرى
شركات التكنولوجيا الكبرى أصدرت نحو 220 مليار دولار من السندات في 2026

وفي أحدث خطواتها، تستعد شركة "ميتا" لدخول سوق السندات الأوروبية للمرة الأولى هذا الخريف، لجمع تمويل يدعم توسعها في الذكاء الاصطناعي، في وقت تشير فيه تقديرات بنك إنجلترا إلى أن تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على التمويل الخارجي، ولا سيما الديون، فيما شهدت أسواق الائتمان توسعاً سريعاً خلال النصف الأول من 2026.

وبحسب تقديرات مورغان ستانلي، بلغ إصدار الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً نحو 450 مليار دولار، بزيادة تقارب الضعف مقارنة بـ2025. ويحذر البنك من أن تضخم الديون يرفع المخاطر، خصوصاً إذا جاءت توقعات الطلب على القدرة الحاسوبية أو إيرادات شركات الذكاء الاصطناعي أقل من المتوقع، ما قد يضغط على قدرتها على خدمة الديون ويشدد ظروف التمويل.

من جانبه، يقول جريغ بيترز، الرئيس المشارك للاستثمار في قسم الائتمان بشركة إدارة الأصول "PGIM" لـ "فاينانشال تايمز"، إن "حجم الديون التي تتدفق على السوق غير مسبوق، وهو بمثابة تحول جذري". فيما يصف البعض هذه الموجة من الاقتراض بأنها "قد تكون أكبر تحول منذ إنشاء سوق سندات اليورو في ستينيات القرن الماضي".

ويتفق الدكتور ممدوح سلامة، خبير الاقتصاد العالمي، أستاذ اقتصاديات الطاقة في كلية "ESCP" لإدارة الأعمال بلندن، مع الطرح السابق في أن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل أسواق الاستثمار والإنتاج والعمل في العالم بصورة متزايدة، لكنه في الوقت ذاته يخلق مخاطر جديدة تتعلق بارتفاع مستويات الديون العالمية، ومدى توافر الاستثمارات للشركات العاملة خارج قطاعه وربحيتها وقدرتها على استيعاب العمالة.

Ai يحول الأسواق العالمية إلى ساحة منافسة على التمويل

ويوضح سلامة لـ 24، أن تطوير الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخدامه في مختلف الصناعات سيتطلب استثمارات تُقدّر بأكثر من تريليوني دولار، وهي استثمارات تأتي في ظل احتياجات تمويلية كبيرة لقطاعات أساسية أخرى مثل النفط والغاز والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، ما يحول الأسواق العالمية إلى ساحة منافسة على مصادر التمويل.

د. ممدوح سلامة

وتوقع سلامة أن تشهد أسواق الدين العالمية طفرة كبيرة في إصدار السندات لتلبية الطلب المتزايد على الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب توفير التمويل للشركات العاملة في القطاعات الأخرى، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على السيولة بما يدفع البنوك المركزية حول العالم إلى توفير المزيد منها، وهو ما قد ينعكس على مستويات التضخم والقدرة الشرائية للعملات، ويضغط على نمو الاقتصاد العالمي وقدرته على تلبية احتياجات الأسواق.

500 مليار دولار لشركات التكنولوجيا في 2026

وبحسب شركة غولدمان ساكس، فقد قدم المستثمرون تمويلاً بقيمة 500 مليار دولار تقريباً للمجموعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حتى الآن هذا العام. وتمثل شركات الحوسبة السحابية العملاقة - أمازون، ألفابت، ميتا، مايكروسوفت، وأوراكل - حوالي 200 مليار دولار من الإجمالي.

الخبيرة مايا زغيب

من جانبها، ترى مايا زغيب، خبيرة التوعية الرقمية والتسويق الإلكتروني اللبنانية، أن تحركات ألفابت، أمازون، ميتا في أسواق السندات العالمية تؤكد تصاعد المنافسة على مصادر التمويل، التي تمتد أيضاً إلى الطاقة والمواهب والموارد.

وتوضح زغيب لـ 24 أن الخطر الأكبر يكمن في اتساع الفجوة بين الإنفاق والتدفقات النقدية، ما قد يؤدي إلى تصحيح في تقييمات شركات التكنولوجيا الكبرى، وليس بالضرورة إلى إفلاسها، وهو خطر يحذر منه صندوق النقد الدولي باستمرار.

د. مازن أرشيد

أما خبير الاقتصاد الأردني مازن أرشيد، يلفت إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى أصدرت نحو 220 مليار دولار من السندات في 2026، مع توقعات بأن يرتفع الرقم بقوة العام المقبل، مع تنافسها الكبير على أموال المستثمرين، ما يدفع شركات أخرى مضطرة إلى رفع العائد الذي تعرضه على سنداتها حتى تجذب المستثمر، إذ باتت المنافسة واضحة بين الذكاء الاصطناعي وقطاعات أخرى ليس فقط على الكهرباء والرقائق بل على "السيولة" العالمية.

يقول أرشيد، لـ 24، إن السوق العالمية تستطيع استيعاب تريليون دولار، أي بما يعادل أقل من 1% من نحو 160.7 تريليون دولار من أدوات الدخل الثابت القائمة عالمياً، لكن المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في سرعة طرح الدين وتوقيته، حيث تتنافس الشركات في الوقت نفسه مع حكومات لديها احتياجات تمويل ضخمة ومع شركات تحتاج إلى إعادة تمويل ديون قديمة. 

الخبير سمير رؤوف

بينما يقول سمير رؤوف، خبير الاقتصاد المصري، إن الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تقوم على توقعات متفائلة بشأن العوائد المستقبلية، لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم التفاؤل، إنما بمدى قدرة هذه التكنولوجيا على الوصول إلى النتائج المتوقعة فعلياً، لافتاً إلى أن هناك مهام لا يزال من الصعب تنفيذها بالذكاء الاصطناعي.

وفيما يتعلق بحجم إصدارات الدين اللازمة لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، أوضح رؤوف لـ 24، أن الأمر يرتبط أساساً بحجم المشروع واحتياجاته التمويلية، وليس بمجرد الرغبة في الحصول على مليارات الدولارات، مشيراً إلى أن توسع الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى زيادة الإصدارات في أسواق الدين، مع ظهور فئات مستهدفة جديدة من المستثمرين والمشروعات المرتبطة بالقطاع.