تقترب أسعار العقارات من مستويات قياسية في عدد من الاقتصادات الغنية، في وقت تواجه فيه أسواق الإسكان ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع القدرة على تحمل أقساط الرهن العقاري، ما يهدد بفتح الباب أمام تصحيح في الأسعار بعد سنوات من الصعود.

وتقول "ذي إيكونوميست" إن أسعار المنازل المرتفعة دفعت المشترين إلى وضع أكثر صعوبة، خصوصاً بعدما أدى التضخم الذي أعقب جائحة كوفيد-19 إلى ارتفاع عوائد السندات خلال عامي 2022 و2023، وبالتالي زيادة كلفة الرهون العقارية. ومع عودة عوائد السندات إلى الارتفاع، تتجه معدلات الرهن العقاري إلى الصعود مجدداً، في وقت تكافح فيه البنوك المركزية التضخم وتواجه الحكومات مستويات مرتفعة من الديون.

الرهن العقاري الأمريكي يقترب من 7%

وفي الولايات المتحدة، يقترب متوسط سعر الفائدة على قروض الإسكان الجديدة لمدة 30 عاماً من 7%، مقارنة بأكثر قليلاً من 6% قبل عام، وبنحو ضعف مستواه قبل جائحة كورونا. ولا يقتصر ارتفاع كلفة التمويل على السوق الأمريكية، إذ تواجه اقتصادات متقدمة أخرى ضغوطاً مماثلة مع صعود عوائد السندات وارتفاع معدلات الفائدة.

ويمثل هذا التحول تحدياً لسوق العقارات التي استفادت خلال سنوات من بيئة تمويل منخفضة الكلفة. إذ سمحت معدلات الفائدة المتدنية للمشترين بالحصول على قروض أكبر، كما ساهمت في دعم الطلب ورفع تقييمات العقارات، ما جعل انخفاض الفائدة أحد المحركات الرئيسية لصعود الأسعار.

معادلة الإسكان تنقلب

ويؤدي ارتفاع معدلات الرهن العقاري إلى تغيير المعادلة بالنسبة إلى المشترين، إذ تصبح الأقساط الشهرية أعلى حتى في حال بقاء سعر المنزل دون تغيير. ومع تراجع القدرة على الاقتراض، يمكن أن ينخفض المبلغ الذي يستطيع المشترون دفعه، ما يفرض ضغوطاً على البائعين ويحد من قدرة السوق على الحفاظ على مستويات الأسعار السابقة.

وتزداد حساسية السوق عندما تتزامن الفائدة المرتفعة مع ارتفاع أسعار المنازل إلى مستويات قياسية أو قريبة منها. ففي هذه الحالة، يحتاج المشترون إلى الاقتراض بمبالغ كبيرة لشراء العقارات، بينما تصبح كلفة خدمة الدين أكثر عبئاً، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على المساكن.

التصحيح السعري قد يعيد التوازن

وقد لا يكون انخفاض أسعار المنازل سلبياً بالكامل من الناحية الاقتصادية، إذ يمكن أن يؤدي تصحيح الأسعار إلى تحسين القدرة على تحمل كلفة السكن بالنسبة إلى الأسر التي لم تتمكن من دخول السوق خلال سنوات الارتفاع. كما يمكن أن يخفف انخفاض الأسعار من حجم رأس المال المطلوب لشراء المنزل، ويعيد بعض التوازن بين دخول الأسر وأسعار العقارات.

لكن تأثير التصحيح يعتمد بدرجة كبيرة على حجمه وسرعته. فانخفاض الأسعار بصورة محدودة قد يساعد المشترين الجدد، بينما قد يؤدي هبوط حاد إلى تقليص ثروة مالكي المنازل، والتأثير في الإنفاق الاستهلاكي، وزيادة الضغوط على الأسر التي اقترضت عند مستويات مرتفعة.

الحكومات أمام معادلة صعبة

وتواجه الحكومات معضلة مزدوجة في سوق الإسكان، إذ إن ارتفاع الأسعار يفيد مالكي العقارات من خلال زيادة قيمة أصولهم، لكنه يرفع الحواجز أمام المشترين الجدد، ولا سيما الأسر الشابة وذوي الدخول المتوسطة. وفي المقابل، فإن انخفاض الأسعار قد يحسن القدرة على شراء المساكن لكنه يقلل قيمة الثروة العقارية لدى المالكين الحاليين.

وتصبح السياسة النقدية عاملاً رئيسياً في هذه المعادلة، خصوصاً مع استمرار البنوك المركزية في التعامل مع التضخم. فارتفاع أسعار الفائدة يهدف إلى تهدئة الضغوط السعرية والطلب في الاقتصاد، لكن سوق العقارات يكون من القطاعات الأكثر حساسية لهذه السياسة بسبب اعتماده الكبير على التمويل.

اختبار جديد لأسواق العقارات

وتشير التطورات الحالية إلى أن سوق الإسكان في الاقتصادات الغنية يدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي اتسمت بفوائد منخفضة وتمويل رخيص وارتفاع مستمر في أسعار العقارات. ومع ارتفاع كلفة الاقتراض، يصبح الحفاظ على الأسعار القياسية أكثر صعوبة إذا لم يواكب نمو الدخول ارتفاع أسعار المساكن.

وقد يكون التراجع في الأسعار، إذا حدث بصورة منظمة، جزءاً من عملية إعادة توازن للسوق، خصوصاً إذا أدى إلى تقليص الفجوة بين أسعار المنازل وقدرة الأسر على تحمل كلفتها. إلا أن استمرار ارتفاع الفائدة لفترة طويلة قد يجعل التصحيح أكثر وضوحاً، ويضع سوق العقارات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع عصر التمويل الأعلى كلفة.