تستقبل الوجهات السياحية العربية موسم شتاء 2026 - 2027 بمعادلة غير معتادة: طلب سياحي قوي واستثمارات ضخمة في الفنادق والطيران والترفيه من جهة، ومخاطر جيوسياسية وارتفاع كلفة السفر واضطرابات في المجال الجوي من جهة أخرى، ما يجعل الشتاء المقبل اختباراً لقدرة القطاع على تحويل التعافي السريع إلى نمو مستدام.

وتبدو دول الخليج ومصر والمغرب في موقع متقدم للاستفادة من الموسم، خصوصاً أن الشتاء يمثل "ذروة طبيعية" للوجهات ذات المناخ الدافئ.

أهمية اقتصادية للسياحة

في الإمارات، سجل الموسم السياحي 2025 - 2026 مساهمة مميزة في الاقتصاد 251.3 مليار درهم  (68.43 مليار دولار) بزيادة 3% عن 2024، وأكثر من 22.2% عن 2019. بينما سجل إنفاق الزوار الدوليين 209 مليارات درهم (56.9 مليار دولار)، وفق وزارة الاقتصاد والسياحة، وهي قاعدة قوية تدخل بها الإمارات الموسم الجديد.

وحول هذا الموضوع، ذكر دكتور الاقتصاد محمد خليفة في حديثه لـ"24"، أن هذه الأرقام تؤكد التحول الذي شهده قطاع السياحة من نشاط اقتصادي داعم إلى أحد المحركات الرئيسية للنمو والتنويع الاقتصادي في الإمارات.
فالمساهمة البالغة 251.3 مليار درهم (نحو 68.4 مليار دولار) تعكس الأثر الواسع للقطاع، الذي لا يقتصر على الفنادق وشركات الطيران، بل يمتد إلى النقل والتجزئة والمطاعم والفعاليات والخدمات.

وعن تجاوز مستويات 2019 بأكثر من 22.2%، أوضح خليفة أن القطاع لم يستعد نشاطه السابق فحسب، بل توسع إلى مستويات أعلى، مستفيداً من الاستثمارات في البنية التحتية، وتطوير الوجهات السياحية، وتعزيز الربط الجوي والانفتاح على الأسواق الدولية.

وذكر أن وصول إنفاق الزوار الدوليين إلى 209 مليارات درهم، (56.9 مليار دولار) يعكس الأهمية الاقتصادية للسياحة الوافدة، ليس فقط من حيث أعداد الزوار، وإنما من حيث قدرتهم على تحفيز الاستهلاك والإنفاق داخل الاقتصاد المحلي.

ونبه خليفة أن الفرصة تبرز الآن لتعزيز متوسط إنفاق السائح، وزيادة مدة الإقامة، واستقطاب شرائح جديدة من السياح، خصوصاً في سياحة الأعمال والترفيه والسياحة العائلية.

جاذبية سياحية 

وفي مؤشر إضافي على قوة الطلب المتوقع خلال الموسم الشتوي القادم، قال عبدالرحمن باسط، وكيل مكتب للسياحة والسفر في دبي، إن "حركة الاستفسارات وطلبات إصدار التأشيرات السياحية تشهد نشاطاً ملحوظاً، مع إقبال من مسافرين عرب وأجانب يخططون لقضاء عطلاتهم خلال الأشهر نوفمبر وديسمبر ويناير في الإمارات.

وأشار عبدالرحمن باسط إلى أن الإمارات صارت وجهة تستقطب "السياحة الشتوية" إن صح التعبير، نظراً لطقسها المعتدل خلال أشهر تتجمد فيها الحركة السياحية بشكل شبه كامل في مناطق ووجهات سياحة رائجة على مستوى العالم.

مصر تستهدف 20 مليون سائح

أما مصر، استقبلت 12.7 مليون سائح بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس 2026، ارتفاعاً من 12.2 مليوناً في الفترة نفسها من 2025، فيما زادت الإيرادات السياحية إلى 12 مليار دولار مقابل 11.8 مليار دولار عن ذات الفترة من 2025. ويواكب نمو الطلب توسع في الطاقة الفندقية، مع وجود 185 فندقاً قيد الإنشاء تضم 46 ألف غرفة.

وتتوقع الحكومة المصرية وصول عدد السياح إلى 20 مليوناً مع نهاية 2026، ما يعني أن الأشهر الأخيرة من العام، التي تشمل بداية الموسم الشتوي، ستكون حاسمة لتحقيق المستهدف.

وأشار "صندوق النقد الدولي" إبى احتمالية ارتفاع إيرادات السياحة في مصر من 19.9 مليار دولار أمريكي في السنة المالية 2025 - 2026 و 20.8 مليار دولار أمريكي في 2026 - 2027.

المغرب.. نمو السياح والإيرادات والطيران

في المغرب، وصل عدد السياح إلى 9.4 ملايين سائح خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 6% على أساس سنوي، بينما ارتفعت ليالي المبيت في منشآت الإيواء السياحي المصنفة 9% خلال النصف الأول مقارنة بالعام الماضي. وكانت الإيرادات أكثر قوة من نمو الأعداد، إذ قفزت عائدات السفر 15.9% إلى 64.9 مليار درهم مغربي (81.07 مليار دولار) بنهاية يونيو (حزيران) الماضي.

ويعزز الطيران هذه الصورة؛ مع استقبال المطارات المغربية 22.28 مليون مسافر خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بزيادة 8.77% مقارنة بنفس الفترة من 2025، فيما ارتفعت حركة النقل الجوي الدولي 8.82% عن العام السابق، وهو مؤشر مهم إلى استمرار تدفق المسافرين قبل موسم الشتاء.

الأردن: السائح العربي يقود التعافي

وتكشف أحدث أرقام "البنك المركزي الأردني" تحولاً لافتاً قبل الشتاء؛ قفز الدخل السياحي 17.2% في أغسطس (آب) وحده إلى 1.139 مليار دولار، لترتفع إيرادات الأشهر الثمانية الأولى من 2026 بـ2.9% إلى 5.558 مليارات دولار.

وذكر منسق الإدارات والمنشآت السياحية في الأردن، أدهم مبيضين، أن الدخل من السياح العرب ارتفع 16.3% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، في وقت تراجع فيه الدخل من السياح الأوروبيين 23.7%، والأمريكيين 17.1%، ما يكشف أهمية السياحة العربية البينية في دعم القطاع السياحي الأردني.

قطر.. سوق متقدمة

وفي قطر، بلغ عدد الزوار 2.338 مليون زائر خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، وفق بيانات قطر للسياحة، فيما استقبلت البلاد 303 آلاف زائر في أغسطس (آب) وحده، مقابل 285 ألفاً في يوليو (تموز)، بزيادة شهرية 6.3%. وتظهر الأرقام تحسناً في تدفقات الزوار خلال الصيف، بعد التراجع الذي شهدته الحركة السياحية في وقت سابق من العام.

وحافظت دول مجلس التعاون الخليجي على موقعها كأكبر سوق مصدرة للسياح إلى قطر، بعدما بلغ عدد زوارها نحو 958 ألفاً، أو 41% من إجمالي الوافدين خلال يناير (كانون الثاني)-أغسطس 2026. وجاءت آسيا وأوقيانوسيا في المرتبة الثانية بنحو 489 ألف زائر، تلتها أوروبا بنحو 486 ألفاً، ما يمنح قطر قاعدة إقليمية قوية قبل موسم الشتاء.

من يملك الزخم الأقوى؟

عالمياً، يتوقع مجلس السفر والسياحة العالمي نمو اقتصاد السفر والسياحة 3.2% في 2026، لتصل مساهمته إلى 12 تريليون دولار، بما يعادل 9.9% من الاقتصاد العالمي، مع دعم نحو 376 مليون وظيفة.

أما عربياً، لا تتحرك الوجهات بالسرعة نفسها؛ مصر والمغرب يسجلان نمواً فعلياً في الوافدين والإيرادات، ودبي تدخل موسم الذروة بقاعدة قوية من الزوار والليالي الفندقية، والأردن يستفيد من ارتفاع إنفاق الزوار العرب، بينما تتمتع قطر بقاعدة سياحية واستثمارات كبيرة.

وتشير توقعات "Tourism Economics" إلى إمكانية نمو السفر الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا 17% في 2027، مقابل نحو 8% عالمياً.