لم تعد صناعة المحتوى تقتصر على كونها نشاطاً فردياً عبر منصات التواصل، بل بدأت تتحول إلى مسار مهني له حضور داخل المؤسسات الأكاديمية. ففي بريطانيا، تتجه جامعات إلى طرح درجات علمية متخصصة في هذا المجال، بكلفة تصل إلى 30 ألف جنيه إسترليني للبرنامج الممتد لثلاث سنوات، في مؤشر على تنامي الاعتراف بصناعة المحتوى كقطاع مهني يمكن اكتساب مهاراته ودراسته أكاديمياً.
رغم اختلاف الآراء حول جدوى الشهادة، يرى مؤيدو تدريس صناعة المحتوى أن قيمتها لا ترتبط بالضرورة بتحويل الطالب إلى "إنفلونسر" مشهور، وإنما بإكسابه مهارات قابلة للاستخدام في مجالات أوسع مثل التسويق والاتصال وإدارة العلامات التجارية.
وتتصدّر جامعتا نوتنغهام ترنت وبرايتون هذا المسار الأكاديمي بجانب مؤسسات أخرى، من خلال مناهج تجمع بين مهارات التصوير والنشر والجوانب الإدارية والمالية للمهنة، حيث يتعلم الطلاب بناء الحملات، تحليل البيانات، التفاوض مع العلامات التجارية، وتحويل تفاعل الجمهور إلى عوائد مالية.
وفي الولايات المتحدة تصبح الدراسة أغلى بكثير، حيث تصل كلفة الحضور الإجمالية في جامعة أريزونا ستيت إلى 37 ألف دولار سنوياً للمقيمين عند احتساب السكن والطعام والرسوم الأخرى، و60 ألف دولار للطلاب من خارج الولاية.
هل تصنع الشهادة مؤثراً ناجحاً؟
غير أن تحويل "الشهرة الرقمية" إلى مسار أكاديمي أثار انقساماً حاداً بين الخبراء وصناع المحتوى حول القيمة الفعلية لهذه الشهادات في مجال تحكمه الخوارزميات، وتلعب فيه الكاريزما والحظ الأدوار الأولى.

شهادة لمهنة تتوسع اقتصادياً
ينطلق الاهتمام الجامعي بهذه التخصصات من واقع اقتصادي فرضه نمو القطاع، حيث وصلت مشاركة صناع محتوى "يوتيوب" في الاقتصاد البريطاني 2.2 مليار جنيه إسترليني عام 2024، مسهمة في دعم 45 ألف فرصة عمل، بالتوازي مع توقعات "إيماركيتر" بكسر إيرادات المنصات الأمريكية حاجز 20 مليار دولار في 2026.
وتخفي هذه المؤشرات تفاصيل مختلفة على المستوى الفردي، فالأرقام الضخمة قد تكون خدّاعة، لأن الأموال لا تذهب كلها إلى جيوب صناع المحتوى، فالدخل المباشر من الفيديوهات يظل محدوداً، وتعتمد غالبية أرباح المؤثرين على الإعلانات المدفوعة للشركات وعمولات التسويق.
وأمام هذه التطورات المالية، اتجهت الجامعات إلى تنظيم هذا النشاط الاقتصادي في أطر دراسية، تُكسِب الطلاب مهارات إدارية وتجارية ضرورية لإدارة حساباتهم.
وفي هذا السياق، تقول جاكي غور، مسؤولة برنامج صناعة المحتوى في جامعة نوتنغهام ترنت، إن المناهج تمنح الطلاب أدوات التخطيط لصناعة الفيديو، وفهم الجمهور، وتعديل خطط العمل استناداً إلى تحليل البيانات، بالإضافة إلى تدريبهم على إدارة الصفقات التجارية واستغلال الفرص الربحية.

هل تستحق الشهادة كلفتها؟
تؤكد ديستني ماكغوان، الخريجة حديثاً من جامعة نوتنغهام ترنت والعاملة في مجال الموضة والتجارة المباشرة عبر "تيك توك"، أن الدراسة انعكست على تجربتها المهنية، حيث أتاحت لها استخدام معدات وتقنيات متخصصة. كما منحتها فرصة التواصل مع محترفين في صناعة المحتوى والعلامات التجارية من خلال الندوات والفعاليات التي نظمتها الجامعة.
في المقابل، نقلت شبكة "بي بي سي" وجهة نظر مغايرة على لسان صانعة المحتوى البريطانية "نايتيناتور"، التي تملك مئات الآلاف من المتابعين عبر "تيك توك" و"تويتش"، حيث استبعدت فكرة الالتحاق بتلك البرامج، معتبرة أن الإنترنت يوفر قدراً كبيراً من النصائح اللازمة للبدء، مجاناً وبلا مقابل.
أما آيشا بيسلي، صانعة المحتوى في مجالات الطعام والموضة، فترى أنها لو حظيت بفرصة دراسة هذا التخصص قبل دخولها المجال، لوفّرت على نفسها الكثير، حيث كان سيعطيها مساراً واضحاً لتحويل الهواية إلى عمل تجاري منظم وبناء علامتها الشخصية بسهولة.
ورغم اختلاف الآراء حول جدوى الشهادة، يرى مؤيدو تدريس صناعة المحتوى أن قيمتها لا ترتبط بالضرورة بتحويل الطالب إلى "إنفلونسر" مشهور، وإنما بإكسابه مهارات قابلة للاستخدام في مجالات أوسع مثل التسويق، الاتصال، وإدارة العلامات التجارية.
مع الإقرار في الوقت نفسه بأن ثمة عناصر يعجز أي منهج أكاديمي عن تدريسها، في مقدمتها "الكاريزما" والقبول أمام الكاميرا، وهما خصلتان ترتبطان بالشخصية والموهبة الفطرية لا بالتحصيل الدراسي.