لا يُصنع شغف السفر بالمعالم وحدها، بل بالذكريات التي تتركها الإقامة في نفس الزائر؛ فالفندق لم يعد مجرد محطة عابرة يستريح فيها السائح ليلاً، بل أصبح في أحيان كثيرة الدافع الأول لتكرار الرحلة أو إلغاؤها بالكامل.
تجربة مريحة، وغرفة تشع نظافة، ووجبة تُقدَّم بعناية، مع خدمات تسهل تنقلات الزائر وتكفيه عناء البحث، كل ذلك يحول الفندق من مجرد مكان للإقامة إلى عنصر حاسم في قرار العودة إلى الدولة مجدداً.
سوق الضيافة
تتضاعف أهمية هذه التفاصيل التي قد تبدو للبعض رفاهية بالنظر إلى الثقل الاقتصادي لقطاع الضيافة العالمي، الذي يقدر حجمه بـ5.83 تريليون دولار في 2026، وسط توقعات بوصوله إلى 7.48 تريليون دولار بحلول 2030، وفق بيانات "The Business Research Company".
وتبرز أرقام قطاع الضيافة في دولة الإمارات كنموذج عملي لهذا الزخم؛ حيث سجل معدل الإشغال الفندقي 79.3% خلال عام 2025، باستقبال 32.34 مليون نزيل وقضاء أكثر من 110.62 مليون ليلة فندقية، ما دفع الإيرادات الفندقية للقفز إلى 49.21 مليار درهم.
غير أن الملايين لا تأتي من فراغ؛ فالأرقام القياسية لليالي الفندقية هي مجرد حصيلة لآلاف القرارات الشخصية التي يتخذها الزوار يومياً بناءً على مستوى خدمتك.
وهنا يظهر السؤال الأهم وسط هذه المليارات؛ ما الذي يدفع السائح تحديداً إلى العودة وإنفاق أمواله مجدداً في الوجهة نفسها؟

جودة الإقامة صانعة الولاء
توضح الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، في تصريحات خاصة لـ"24"، أن جودة الإقامة تشكل المحرك الرئيسي لولاء الزائر؛ فالاهتمام بالتفاصيل الأساسية من الراحة والنظافة وجودة الطعام، إلى جانب تبسيط تجربة الحركة خارج الفندق، يجعل السائح يُفضِّل العودة للمنشأة ذاتها وللبلد نفسه.
وترى رمسيس أن الفنادق الذكية تتسع حدود جدرانها لتقدم حلولاً متكاملة، كتعاقدها مع وسائل نقل بأسعار مخفضة، أو الاعتماد على سائقين موثوقين، فضلاً عن بناء شراكات مع الوجهات السياحية الشهيرة، ما يضمن للسائح رحلة سلسة للوصول إلى معالمه المفضَّلة دون تعقيد.

اقتصاد الليالي الفندقية
وتشير رمسيس إلى أن رفع نسب الإشغال الفندقي لا يقتصر أثره على نمو أرباح القطاع فحسب، بل يمتد ليعزز الناتج المحلي الإجمالي ويخلق فرص عمل جديدة؛ فعودة السائح تُعزِّز المحرك الاقتصادي للدولة، حيث تتحول كل زيارة جديدة إلى ليلة فندقية إضافية وتدفقات إنفاق تُحرِّك عجلة الأنشطة المرتبطة بها.
هذا التحول يجعل المنافسة بين الفنادق تتجاوز صراع الأسعار إلى جودة التجربة؛ فحركة السياحة أثبتت أن السائح مستعد لدفع تكلفة أعلى مقابل الحصول على إقامة مريحة وخدمة موثوقة تلبي تطلعاته وتمنحه شعوراً بالطمأنينة.

انطباع يتخطى المنشأة
على الجانب الآخر، يحمل القصور الفندقي مخاطر تتجاوز حدود المنشأة نفسها؛ وتحذر رمسيس من أن التجربة السيئة قد ترتبط في ذهن الزائر بالانطباع العام عن الدولة ككل، فينسب سوء التنظيم أو صعوبة التنقل إلى الوجهة بأكملها، في حين قد يحمل سائح آخر أقام في فندق يدرك قيمة الخدمة انطباعاً مناقضاً تماماً.
ويزداد هذا التأثير مع صعود صناع محتوى السفر، الذين أصبحوا جزءاً من رحلة البحث عن الفندق والوجهة قبل الحجز؛ حيث أظهرت بيانات "إكسبيديا" أن 73% من المسافرين قالوا إن توصيات المؤثرين أثرت في قرار حجزهم، فيما أشار 61% إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تمثل مصدراً لأفكار رحلاتهم.
خاص 24| كيف أصبح صناع محتوى السفر قوة في سوق الضيافة؟ - موقع 24قبل سنوات، كان الفندق الفاخر يملك إلى حد كبير زمام تجربة ضيفه وسمعته، من تفاصيل الإقامة والخدمة إلى الصورة التي تبنيها العلامة التجارية عبر سنوات من الاستثمار والعلاقات العامة؛ أما حالياً، فقد تكفي تجربة يوثقها مسافر بهاتفه لتنتقل خلال ساعات إلى مئات الآلاف، وتصبح جزءاً من الصورة التي تتشكل حول ...
وتوضح واقعة منتجع أمانفاري في المكسيك قوةا التأثير، بعدما تجاوز فيديو نشره مراجع الفنادق المستقل رايان ووكر عن إلغاء إقامته 750 ألف مشاهدة و5 آلاف تعليق، فيما قدم المنتجع رواية مختلفة عن بعض تفاصيل الواقعة.
وتؤكد هذه المعادلة أن الاستثمار في الضيافة هو استثمار مباشر في سمعة المقصد السياحي؛ فالغرفة التي تنجح في إرضاء زائر اليوم، تتحول إلى بوابة لرحلات مستقبليّة وليالٍ سياحية مضاعفة، تتدفق معها عوائد الإنفاق لتنعش شريان الاقتصاد الوطني.