من قبو عيادة أسنان في مدينة بويزي الأمريكية إلى صدارة سباق ذاكرة الذكاء الاصطناعي، قطعت "مايكرون تكنولوجي" رحلة استمرت نحو نصف قرن، واجهت خلالها منافسة شرسة مع الشركات اليابانية ثم صعود عمالقة كوريا الجنوبية، وسط صناعة تتقلب باستمرار بين فائض الرقائق ونقصها وتقلبات الأسعار.
تعد مايكرون الشركة الأمريكية الوحيدة المنتجة محلياً لذاكرة النطاق الترددي العالي "HBM"، التي تعتمد على تكديس شرائح "DRAM" وتستخدم في أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما في ذلك المعالجات التي تنتجها "إنفيديا" و"إيه إم دي".
وقبل ساعات أظهرت نتائجها القياسية حجم التغيير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في أعمال الشركة، فقد حققت إيرادات قياسية بلغت 54.23 مليار دولار في الربع المالي الرابع المنتهي في 3 سبتمبر (أيلول) 2026، مقابل 11.32 مليار دولار قبل عام، فيما قفز صافي الربح إلى 37.7 مليار دولار مقابل 3.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وجاء هذا الأداء وسط أزمة نقص رقائق الذاكرة، خاصة DRAM، الذي دفع إيرادات هذا القطاع إلى 39.8 مليار دولار، بزيادة 343%، لتشكل قرابة ثلاثة أرباع مبيعات الشركة.
"مايكرون" تعلن إيرادات قياسية.. و75% من إنتاج 2027 محجوز مسبقاً - موقع 24سجلت شركة "مايكرون تكنولوجي" (Micron Technology) سادس ربع مالي قياسي على التوالي، بعدما قفزت إيراداتها خلال الربع المالي الرابع إلى 54.23 مليار دولار، بزيادة 379% على أساس سنوي و31% مقارنة بالربع السابق، بدعم من الطلب المتزايد على رقائق الذاكرة والتخزين المستخدمة في البنية التحتية للذكاء ...
البداية من أربعة مهندسين
قبل 47 عاماً، أسس الشقيقان وارد وجو باركنسون، إلى جانب دينيس ويلسون ودوغ بيتمان، شركة "مايكرون" في قبو عيادة أسنان بمدينة بويزي، مع التركيز على تصميم رقائق ذاكرة DRAM. وكان أول عقد للشركة تصميم شريحة ذاكرة بسعة 64 كيلوبِت، قبل أن تدخل سوق شرائح DRAM المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر.
البداية جاءت في توقيت صعب، حيث واجهت الشركة في ثمانينيات القرن الماضي منافسة شرسة من منتجي الذاكرة اليابانيين، الذين استفادوا من الدعم وقدموا رقائق بجودة أعلى وأسعار أقل. لكن "مايكرون" حافظت على وجودها عبر التركيز على الكفاءة، وجمعت 300 ألف دولار من مستثمرين محليين، قبل أن تحصل في 1980 على استثمار بقيمة مليون دولار من رجل الأعمال جي آر سيمبلوت مقابل 40% من الشركة.
طبيعة الصناعة والـ AI
التعامل مع دورات صناعة الذاكرة كان جزءاً من استراتيجية "مايكرون" للبقاء والنمو، فبدلاً من التوسع بقوة خلال فترات الرواج، حافظت الشركة على قدر أكبر من الانضباط، الأمر الذي منحها مساحة للاستفادة من فترات التراجع والاستحواذ على منافسين بأسعار أقل.
وظهر أثر هذه الاستراتيجية مع تغير خريطة صناعة الذاكرة في آسيا، فمع تراجع الشركات اليابانية وصعود نظيرتيها الكوريتين، بقيت "إلبيدا" آخر شركة يابانية كبرى لإنتاج DRAM، إلى أن أعلنت إفلاسها واستحوذت عليها "مايكرون" في 2013.
وأتاح الاستحواذ للشركة الأمريكية الوصول إلى تقنيات وصفها محللون آنذاك بأنها كانت متقدمة على تقنياتها.
ورغم توسع "مايكرون" ظلت هوامش أرباحها محدودة لعقود، لأن رقائق DRAM كانت منتجات معيارية يمكن استبدالها بسهولة بين الشركات. لكن تغير الوضع مع صعود الذكاء الاصطناعي وظهور ذاكرة النطاق الترددي العالي HBM، التي تجمع عدة شرائح DRAM وتوفر قدرة أكبر على التعامل مع كميات البيانات التي تحتاجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ودفع هذا التحول "مايكرون" إلى منافسة مباشرة مع "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" في سوق HBM، حيث تتفوق الشركتان الكوريتان عليها من حيث الحصة السوقية. لكن في الوقت نفسه، تعمل "مايكرون" مع "إنفيديا" على أول تطبيق مخصص لذاكرة HBM.
وتدعم الشركة هذا التوسع بعقود طويلة الأجل، ارتفع عددها إلى 26 اتفاقاً بقيمة التزامات مالية تبلغ 32 مليار دولار، تمثل أكثر من 35% من إيراداتها المتوقعة حتى 2030.
وتستعد "مايكرون" لزيادة إنتاجها لمواكبة الطلب، مع إنفاق رأسمالي متوقع قدره 25 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية الجديدة، فيما تتوقع الشركة أن يظل الطلب على الذاكرة والتخزين أعلى من المعروض خلال 2027 و2028.