تعود مصافي التكرير ومخزونات الوقود الاستراتيجية إلى صدارة المشهد العالمي وحسابات أمن الطاقة، مع تصاعد أزمة الوقود بفعل تراجع قدرات التكرير في الغرب، وتعطل الإمدادات بسبب الحرب مع إيران، والهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، ما دفع أسعار الديزل إلى مستويات مرتفعة وأشعل سباقاً على تأمين الإمدادات.

وتقترب العقود الآجلة للديزل في أوروبا من 200 دولار للبرميل، فيما تجاوز سعر التجزئة للديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً بلغ 6.50 دولار للغالون. 

وتكشف الأزمة عن فجوة تراكمت على مدى سنوات، بعدما أغلقت أوروبا عدداً من مصافيها واعتمدت بصورة أكبر على استيراد الديزل والبنزين، فيما شهدت الولايات المتحدة أيضاً إغلاق منشآت تكرير رغم كونها أكبر منتج للنفط في العالم.

وقال ديف سانيال، الذي يدير شركة "فارو بريم" المزودة لنحو 10% من وقود النقل في أوروبا، لوكالة "بلومبرغ"، إن الحكومات بدأت تنظر إلى المصافي باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الحيوية، بعدما كان هذا الوصف يرتبط بصورة أكبر بخطوط الأنابيب.

قدرات التكرير تحت الضغط

لا تكمن أزمة الوقود الحالية في توافر النفط الخام وحده، بل في القدرة على تكريره، بعدما عطلت الحرب مع إيران والصراع الروسي الأوكراني، ملايين البراميل يومياً من طاقات المعالجة والشحنات.

وبحسب "بلومبرغ"، تعالج المصافي الأمريكية قرابة 17 مليون برميل من الخام يومياً، وهو أعلى مستوى لهذا الوقت من العام، فيما تشير تقديرات كبار تجار السلع إلى أن منشآت في الولايات المتحدة وأوروبا تعمل بأقصى طاقتها تقريباً.

ودفعت الحاجة إلى استمرار الإنتاج شركة "توتال إنرجيز" إلى تأجيل صيانة إحدى منشآتها الأوروبية، فيما اتخذت مصافٍ في إسبانيا وبولندا واليونان خطوات مماثلة للحفاظ على الإمدادات، بحسب "بلومبرغ".

كما أجلت مصفاة "موتيفا بورت آرثر" في تكساس، التي تتجاوز طاقتها 640 ألف برميل يومياً، أعمال صيانة كانت مقررة هذا الخريف إلى العام المقبل، فيما رحّلت "بي بي إف إنرجي" عمليتي صيانة من خريف 2026 إلى 2027.

في المقابل، حذرت شركة "أورلن" البولندية من أن تأجيل الصيانة إلى ما بعد الحدود المبررة فنياً، قد يزيد احتمالات الأعطال والتوقف غير المخطط.

أرباح مرتفعة وضغوط تضخمية

وفق مؤشر تقريبي أوردته "بلومبرغ"، يمكن أن تتجاوز الأرباح الناتجة عن تحويل برميل الخام إلى منتجات مثل البنزين والديزل 60 دولاراً للبرميل، مع اتساع هوامش التكرير بفعل نقص الإمدادات، فيما حققت أكبر 3 شركات تكرير أمريكية أرباحاً تجاوزت 10 مليارات دولار في الربع الثاني.

في المقابل، يرفع صعود الديزل تكاليف النقل والزراعة وإنتاج الغذاء والسفر وسلاسل التوريد، ما يزيد مخاوف البنوك المركزية من استمرار الضغوط التضخمية والحاجة إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة أو زيادتها.

وتبحث الحكومات عن وسائل لزيادة المعروض، إذ طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الاتحاد الأوروبي دراسة تخفيف بعض مواصفات الوقود، فيما استدعت الحكومة الإيطالية شركات التكرير المحلية لمناقشة الأزمة، وفق "بلومبرغ".

واشنطن تضغط على أوروبا

تمتد أزمة الديزل إلى المخزونات الاستراتيجية، إذ ضغطت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فرنسا وألمانيا للسحب من احتياطاتها الطارئة للمساعدة في خفض الأسعار العالمية، ملوحة بإمكانية حظر صادرات الديزل الأمريكية، بحسب "رويترز".

وطلبت واشنطن من الاتحاد الأوروبي الإفراج عن نحو 120 مليون برميل على مدى 6 أشهر، فيما تستحوذ فرنسا وألمانيا معاً على أكثر من ثلث الاحتياطيات الاستراتيجية للديزل في الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات أوردتها "رويترز".

وحذر مسؤولون وخبراء في القطاع من أن الحظر قد يخفض الأسعار الأمريكية مؤقتاً، لكنه سيدفع الدول المستوردة إلى المنافسة على إمدادات بديلة. وقال نيتين جيندال، رئيس السلع العالمية في "غولدمان ساكس"، لـ"بلومبرغ"، إن حظراً شاملاً قد يشعل منافسة عالمية على الديزل ويزيد تقلبات أسواق الطاقة.

الصين تقلص المعروض العالمي

يتزامن الضغط الأمريكي على أوروبا، مع اتجاه الصين إلى حماية سوقها المحلية. فبحسب 4 مصادر تحدثت إلى "رويترز"، علقت المصافي الصينية صادرات المنتجات النفطية خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بهدف الحفاظ على المخزونات.

ويشمل القرار صادرات الديزل والبنزين ووقود الطائرات إلى الأسواق خارج هونغ كونغ وماكاو، فيما ألغت "بتروتشاينا" غالبية شحنات البنزين ووقود الطائرات المقررة خلال الشهر.

ويقلص القرار الصيني قدرة آسيا على تعويض نقص الوقود في الأسواق الأخرى. فبينما تمتلك المنطقة طاقات تكرير كبيرة، باتت بكين تعطي الأولوية لمخزوناتها المحلية، في حين أكدت الهند استمرار الوفاء بعقود تصدير الديزل، وتُنتظر زيادة صادرات اليابان بعد اضطرابات سابقة، بحسب "بلومبرغ".

سباق على براميل الديزل

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الاقتصادات المتقدمة، إذ انخفض الطلب على البنزين في نيجيريا بنحو 15% على أساس سنوي، في مؤشر إلى التأثير الأكبر للأسعار المرتفعة في الدول الأقل دخلاً، بحسب "بلومبرغ".

وقال ديفيد بيرد، الرئيس التنفيذي لمصفاة "دانغوتي"، أكبر مصفاة في أفريقيا، إن تراجع الطلب بسبب الأسعار في الدول المتقدمة، يعطي مؤشراً إلى حجم الضغوط التي تواجهها الاقتصادات الأقل تقدماً.

وتكشف الأزمة أن توافر النفط الخام وحده لم يعد كافياً لضمان أمن الإمدادات، إذ تحتاج السوق إلى قدرات كافية لتحويله إلى منتجات قابلة للاستهلاك.