بين القلق من فاتورة البقالة وأسعار الوقود المؤرقة، ومحاولة تلبية رغبات العائلة، يحسم كثير من الأمريكيين قرارتهم لصالح الإنفاق، رغم التضخم وتراجع الثقة بالاقتصاد إلى مستوايات تكاد تكون الأدنى على الإطلاق، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".

ويستند هذا الإنفاق إلى سوق عمل متماسك وارتفاع قيم المنازل والأسهم، بحسب الصحيفة، التي تطرح تساؤلات حول استدامته مع تراجع الادخار وارتفاع الديون.

ترصد الصحيفة ثلاث حالات تعكس تباين الصورة. ففي شيكاغو، اختارت كاثلين هاربر وزوجها قائمة تذوق بـ50 دولاراً بدلاً من تقاسم بعض المقبلات، رغم قلقها من أسعار الوقود والبقالة.

وعلى مقربة من المطعم، كان تشارلي زانغ (30 عاماً) يجمع التبرعات لجمعية خيرية. ويحاول زانغ التعافي من ديون بطاقات ائتمان وإفلاس سابق، فيطهو في المنزل ويستغني عن رسوم التوصيل.

أما ليز سيناتور (28 عاماً)، فباتت تكاليف المعيشة أيسر لها بعد الزواج وتقاسم النفقات، وارتفاع راتبها قرابة 20 ألف دولار خلال 4 سنوات تقريباً.

ولم تتردد سيناتور في السفر إلى هاواي لحضور حفل زفاف رغم غلاء التذاكر، من دون أن تضطر إلى خفض نفقاتها الأخرى.

نمو الإنفاق

يرتفع إنفاق الأسر الأمريكية 6.1% خلال 12 شهراً حتى أغسطس (آب)، مقابل نمو سنوي 4.3% نهاية العام الماضي، وفق وزارة التجارة الأمريكية.
ورُفع الأسبوع الماضي تقدير نمو الاقتصاد في الربع الثاني من 2026، بدعم من إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات.
ويعود أكثر بقليل من نصف الزيادة إلى التضخم، مع ارتفاع أسعار المستهلكين قرابة 3.4%. أما الإنفاق الحقيقي المعدل للتضخم فينمو 2.6%، مواصلاً مساراً مستقراً على مدى 5 سنوات.
ويرى رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أوستان غولسبي، أن الإنفاق الاستهلاكي واسع النطاق يبقى المحرك الرئيسي لنمو الناتج المحلي الأمريكي، رغم الحديث المكثف عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

ويربط غولسبي ذلك باستقرار سوق العمل، التي تفقد جانباً من زخم ما بعد الجائحة مع تباطؤ التوظيف في سبتمبر (أيلول)، فيما تبقى البطالة عند مستويات منخفضة تاريخياً.
وفي الوقت ذاته، يستفيد أمريكيون أكبر سناً من ارتفاع أسعار المنازل والأسهم. ولا يعني صافي الثروة بالضرورة دخلاً شهرياً أعلى، لكنه يمنحهم ثقة أكبر في الإنفاق، بحسب الصحيفة.

ثقة شبه منعدمة 

يقف مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان أعلى بقليل من أدنى مستوى قياسي سجله مطلع العام. أما مسح "كونفرنس بورد" فسجل أدنى قراءة في 12 عاماً خلال الشهر الماضي.
ويقول كبير الباحثين في مجموعة "NORC" بجامعة شيكاغو براين فابس إن "الأرقام الكلية والإنفاق تبدو جيدة، ولا أحد سعيد".
ويرجع فابس جانباً كبيراً من الإنفاق إلى أصحاب الدخول المرتفعة. أما الطبقة المتوسطة فتبحث عن أفضل قيمة، والشرائح الأقل دخلاً تكافح لتغطية الغذاء والسكن.

في المقابل، يظهر مسح لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تقارباً بين شرائح الدخل. فالإنفاق يرتفع 4.7% لمن تقل دخولهم السنوية عن 50 ألف دولار، مقابل 4.4% لمن تتخطى دخولهم  100 ألف دولار.
وترتفع منذ مايو (أيار) 2025 ثقة أكبر حملة الأسهم، مقابل تراجعها لدى من لا يملكون أسهماً، وفق مديرة مسح ميشيغان جوان شو. وحقق مؤشر "إس آند بي 500" خلال الفترة ذاتها عائداً قرابة 32%.

مدخرات تتلاشى

ينخفض معدل الادخار إلى 4.1% من الدخل بعد الضرائب، مقابل قرابة الضعف قبل الجائحة. وفي الوقت ذاته، ترتفع ديون الأمريكيين إلى مستويات قياسية.
ويحذر كبير خبراء الاقتصاد في "إي واي-بارثينون"، غريغوري داكو، من تعثر الإنفاق، لأنه ينمو بوتيرة أسرع من الدخل المتاح.
ويوضح داكو أن الأسر تموّل نفقاتها من المدخرات، الائتمان والثروة، "لكنها موارد محدودة".

استهلاك مع موسم العطلات

تسجل الشركات المرتبطة بالمستهلك طلباً متماسكاً، مع ارتفاع إنفاق العودة إلى المدارس بوتيرة سنوية من خانتين.
ويلخص كبير خبراء الاقتصاد في "ناشونال ريتيل فاونديشن" مارك ماثيوز المشهد بأن "المستهلكين ينفقون وفق أوضاعهم المالية، لا حالتهم النفسية".
وتتوقع "ماستر كارد"، استناداً إلى بيانات بطاقاتها، ارتفاع إنفاق موسم العطلات الأمريكي 5.5% هذا العام، في أسرع وتيرة منذ 2022. ويعود قرابة نصف الزيادة إلى ارتفاع الأسعار، والنصف الآخر إلى زيادة حجم المشتريات.